الرقية الشرعية

الثلاثاء، 31 يناير، 2012

*أساليب القرآن في مواجهة السحر + بواعث السحر لقد اختلف في تحديد معنى السحر كما اختلف أهل الفقه في ذلك، ومن جملة كلمات اللغويين في تحديد معناه ما جاء في لسان العرب حيث قال صاحبه: "ومن السحر الأخذة التي تأخذ العين حتى يظن أن الأمر كما يرى وليس الأصل على ما يرى. والسحر الأخذة، وكل ما لطف مأخذه ودقّ فهو سحر" وجاء عن ابن فارس: "هو اخراج الباطل في صورة الحق". وعن المجمع للطريحي: "فأنّى تسحرون": أي فكيف تخدعون عن توحيده ويموّه لكم، وقال في قوله تعالى: (إن تتّبعون إلا رجلاً مسحوراً) أي مصروفاً عن الحق. وتسمي السحر سحراً لأنه صرف عن جهته". أما أهل الفقه فقد جاء عن بعضهم ما يلي: قال العلاّمة في القواعد والتحرير: "كلام يتكلم به، أو يكتبه أو رقية، أو يعمل شيئاً يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة". أما في الكتاب فما يستفاد من كلمات أهل اللغة يمكن أن يستفاد من الكتاب الكريم إذ عند قراءة الآيات التي تناولت قضية السحر في سورة طه يستفاد منها أن السحر كيد وخدعة ولا واقع له ولذا قالوا: (إن هذان لساحران) أي ليس فيهما حقيقة وواقعية ويؤيده قوله تعالى بعد: (فأجمعوا كيدكم) أي اجمعوا خدعكم واصرح منه في الدلالة قوله تعالى: (يخيل من سحرهم أنّها تسعى) ويؤكده قوله تعالى: (انّما صنعوا كيد ساحر). ويقول محمّد رشيد رضا صاحب تفسير المنار والمعنى الجامع للسحر انه أعمال غريبة من التلبيس والحيل تخفى حقيقتها على جماهير الناس لجهلهم بأسبابها فمتى عرف سبب شيء منها بطل اطلاق اسم السحر عليه، ولذلك كان الاقوام الجاهلون يعدّون آيات الرسل الكونية التي يؤيدهم الله تعالى بها من قبيل السحر. ويجعلون هذا مانعاً من دلالتها على صدقهم ومن تأييد الله تعالى لهم، لان السحر صنعة تتلقى بالتعليم والتمرين فيمكن لكل أحد ان يكون ساحراً إذا اتيح له من يعلمه السحر". وسواء أخذنا بتحديدات اهل اللغة أو الفقه أو بما قاله هذا المفسر أخيراً فهو أسلوب من اساليب المواجهة يعمد فيه الخصوم إلى استعمال مضامين كل هذه المفردات التي وردت في تعريفه. وهي _مما لا شك فيه _ لها أثرها البالغ في عموم الناس الجاهلين البعيدين عن الهدى والإيمان. ولهذه الاساليب طلاّبها ومروّجوها وساحتها في المجتمع وذهنيته، بل هي من أبرز الاساليب التي تلجأ اليها جبهة الكفر والطغيان في محاربة ومعارضة جبهة الهدى والايمان في المراحل الأولى من مراحل المواجهة عادة. ولأنّ طرق استحصال هذا الاسلوب غالباً مرتبطة بالشر والشيطان والإنحرافات الأخلاقية والسلوكية والجن والأرواح، ولتأثيرها السريع والخفي على من تمارس ضدّه ممن ليس لديه حصانة ومناعة منه عمد خصوم الرسالات إلى اتهام الرسل (عليهم السلام) ورسالاتهم به أو بممارسته والعمل به من أجل تكذيبهم أولاً، ومن أجل خلق المبرر في معارضتهم والوقوف أمامهم ثانياً، ولو بممارسة نفس السحر، بل ذهبوا إلى أكثر من ذلك أن اتبع فريق منهم كتب السحر وما تتلوا الشياطين على الأنبياء كمنهج حياتي وعقائدي يتميزون به عن جبهة الوحي والرسالات السماوية. قال تعالى: (واتبعوا ما تتلو الشّياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكنّ الشّياطين كفروا...). ذكر الفخر الرازي في جملة الآراء في المسألة الولى وهي قوله تعالى: (واتبعوا) أنه قال: أحدها: أنّهم اليهود الذين كانوا في زمان محمّد عليه الصلاة والسلام. وبعد ذكر القول الثاني والثالث قال: ورابعهما: انه يتناول الكل وهذا أولى لانه ليس صرف اللفظ إلى البعض أولى من صرفه إلى غيره إذ لا دليل على التخصيص. قال السديّ: لما جاءهم محمّد عليه الصلاة والسلام عارضوه بالتوراة فخاصموه فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا القرآن واخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت فلم يوافق القرآن فهذا قوله تعالى: (ولما جاءهم رسول من عند الله مصدّق لما معهم نبذ فريق من الذين اوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم) ثم أخبر عنهم بأنهم اتبعوا كتب السحر. *الإتهام بالسحر (الأسباب والممارسات والاهداف) ان الاتهام بالسحر قديم قدم المجتمعات البشرية، فمنذ أن بعث الله عزّ وجلّ رسله إلى الأمم والأقوام يعظونهم ويوجهونهم ويبشرونهم بثوابه وينذرونهم عقابه ويذكرونهم بالحياة الأبدية في الآخرة وبالحشر والحساب هناك وان الله يبعث من في القبور وأن النار والعذاب نصيب العاصين رسله والظالمين لهم ولمن آمن بهم، بدأ المكذّبون البعيدون عن هداية رسول العقل والفطرة يفسرون هذه العلاقة بين السماء والأرض وبين الأنبياء والوحي بلسان الجحود والانكار والهوى والاستكبار، قائلين لو كانت هذه العلاقة بين الأنبياء وبين الله ووحيه صادقة حقّة لكانت موجودة عند باقي البشر من أمثالهم ولما كانت هذه العلاقة غير موجودة عند هذا الباقي من البشر فهي عند الأنبياء ليس لانهم ليسوا إلاّ بشر مثلهم، وعليه فلابد من توجيه هذا اللون من الادعاء توجيها يتلائم ونظرتهم واعتقادهم، فكان السحر واحداً من هذه التوجيهات والمواجهات متخذين من وجه الشبه الظاهري بين الساحر والنبيّ في جهة التأثير السريع واستمالة القلوب والاعتماد على أمور خفية شاهداً ومؤيّداً عليه. فاتهام الأنبياء والرسل (عليهم السلام) بالسحر من قبل خصومهم المكذّبين لم ينبع من نظرة تحليلية واعية معمّقة للظروف الموضوعية الواقعية للتهمة والمتَّهم (بالفتح) وانما ينبع من افق الظروف الموضوعية الواقعية للمتّهم (بالكسر) إضافة إلى اعتماد أصحاب هذه المواجهة على نحو من أنحاء القياس الباطل في إبراز المواجهة وتصويرها. ولو طالعنا آيات الكتاب المجيد من أجل أن نتحرّى الأسباب التي دعت المكذّبين إلى اتهام الرسل (عليهم السلام) بالحسر لوجدناها تنحصر بخمسة أمور هي كالتالي: 1_ الكفر: قال تعالى مبيّناً ذلك: (أكان للناس عَجَباً أن أوحينا إلى رجُلٍ منهم أن أنذِرِ النّاس وبشّر الذين آمنوا أنَّ لهم قدم صدق عند ربّهم قال الكافرون إنّ هذا لساحرٌ مبين). 2_ الطغيان والعلو والاستكبار: قال تعالى مبيّناً ذلك: (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلاّ قالوا ساحرٌ أو مجنون. أتواصوا به بل هم قوم طاغون). 3_ الظلم: قال تعالى مبيّناً دوره هنا: (نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلاّ رجلاً مسحوراً). 4_ الطمع وحبّ المال: قال تعالى مبيّناً هذا السبب في هذه المواجهة: (فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئِنَّ لنا لأجراً إن كنّا نحن الغالبين. قال نعم وانكم إذاً لمن المقربين). 5_ اتباع الهوى: قال تعالى مبيّناً ذلك: (اقتربت السّاعة وانشقّ القمر. وان يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر. وكذَّبوا واتّبعوا أهواءهم وكلّ أمر مستقر). إذا أردنا ان نؤرّخ لهذه التهمة _المواجهة المنهجية _ فليس هناك كتاب تاريخي يؤرخ لها بشكل دقيق مثلما يعطيها القرآن _وان لم يكن كتاباً تاريخياً _ حظها من العراقة والقدم والامتداد في تاريخ الشعوب والمجتمعات الدينية حيث يذكر ان هذه التهمة استعملت ضد كل الرسل الذين ارسلوا هداة إلى اُممهم، أي بعبارة اخرى منذ أن تشكل أول مجتمع بشري بعد نبي الله آدم (ع)، ومنذ أن بعث لذلك المجتمع الأول رسول هداية. نعم لقد تلقّى جميع الرسل (عليهم السلام) هذه المواجهة الظالمة من قبل خصومهم، وقد قال تعالى مشيراً إلى هذا العمق التاريخي لهذه المواجهة وإلى عراقتها في تاريخ المواجهات ضد رسله (عليهم السلام): (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون). ففي سورة البقرة بيّن تعالى مواجهة الخصوم بالسحر ضد سليمان فقال: (واتّبعوا ما تتلوا الشّياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكنّ الشّياطين كفروا يعلّمون الناس السحر وما اُنزل على الملكين بباهل هاروت وماروت وما يعلّمان من أحد حتّى يقولا إنّما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلّمون منهما ما يفرِّقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارّين به من أحد إلاّ باذن الله ويتعلّمون ما يضرّهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون. ولو أنّهم آمنوا واتَّقوا لمثوبة من عند الله خيرٌ لو كانوا يعلمون). ومن جملة أكاذيب هؤلاء الشياطين الإنسيين الذين ذكرتهم الآية الشريفة هو إدّعاؤهم ان سليمان (ع) حصل على هذا الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده بواسطة الطرق السحرية، وفي سورة الشعراء بيّن عزّ وجلّ مواجهتهم لشعيب(ع) فقال تعالى: (قالوا إنّما أنت من المسحَّرين. وما أنت إلاّ بشر مثلنا وإن نّظنّك لَمن الكاذبين)، وفي سورة المائدة بيّن تعالى مواجهة الخصوم بالسحر ضد عيسى(ع) قال تعالى: (إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيّدتّك بروح القدس تكلّم النّاس في المهد وكهلاً وإذ علّمتك الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل وإذ تخلق من الطّين كهيئة الطّير باذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني وتبريء الأكمهَ والابرص بإذني وإذ تخرج الموتى باذني وإذ كففت بني اسرائيل عنك إذ جئتهم بالبيّنات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلاّ سحر مبين). وكنموذج واحد لهذه المواجهة ضده (ع) نذكر قوله تعالى وهو يحكي قول فرعون طاغية عصره فيه: (قال للملأ حوله إنّ هذا لساحر عليم. يريد ان يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون. قالوا ارجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين. يأتوك بكلّ سحّار عليم...). وقد بالغ الخصوم في اتهامه بالسحر حتى خاطبوه: (يا ايّها السّاحر) وعبروا عنه بالسحر فقالوا (سحران تظاهرا) وقالوا عنه انه كبير السحرة ومعلمهم وانه ساحر عليم وانه من المسحرين وانه مسحور إلى غير ذلك. والأمر هكذا وأشد مع النبي محمّد (ص) فقد ذكر له القرآن سبعة عشر مورداً من موارد مواجهته بتهمة السحر. وقد وصفوه (ص) بأنه ساحر كذّاب، وساحر مبين، وأنه رجل مسحور، ويعلمه السحرة، ونعتوا رسالته بالسحر، فقالوا عنها: سحر مبين، وسحر مفترى، وسحر مستمر، وسحر يؤثر "أي يأخذه من السحرة ويرويه". وكنموذج واحد أيضاً يشير إلى مواجهتهم له (ص) بهذه المواجهة نذكر قوله تعالى من سورة يونس فحيث قال عزّ وجلّ: (أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشّر الذين آمنوا أن لهم قد صدقٍ عند ربهم قال الكافرون إنّ هذا لساحرٌ مبين). 1_ قيل إنّ عيسى استقبله ناس من اليهود، فلما رأوه قالوا قد جاء الساحر ابن الساحر الفاعل ابن الفاعلة وقذفوه وامه فسمع ذلك ودعا عليهم فاستجاب الله دعاءه ومسخهم خنازير. 2_ وفي الدر المنثور أخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن طريق عكرمة عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي (ص) فقرا عليه القرآن فكأنه رق له فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال: يا عم إن قومك يريدون أن يحملوا لك مالاً ليعطوه لك فإنك أتيت محمّداً لتصيب ممّا عنده. قال: قد علمت قريش اني من أكثرها مالاً، قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك منكر أو أنك كاره له، قال: وماذا أقول فوالله ما فيكم رجل اعلم بالشعر مني لا برجزه ولا بقصيّه ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، والله ان لقوله الذي يقوله حلاوة، وان عليه لطلاوة، وانه لمثمر اعلاه، ومغدق أسفله، وانه ليعلو ولا يعلى، وانه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: دعني حتّى افكر، فلما فكّر قال ما هو إلاّ سحر يأثره عن غيره فنزلت (ذرني ومن خلقت وحيدا). 3_ قال الثعلبي: قالت العلماء بأخبار الأنبياء إنّ موسى وهارون (ع) وضع فرعون أمرهما على السحر، فأراد أن يقتلهما، فقال العبد الصالح حزقيل مؤمن آل فرعون: أتقتلون رجلاً يقول: ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم، فقال الملأ من قوم فرعون (أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين. يأتوك بكلّ ساحر عليم) وكانت لفرعون مدائن فيها السحرة معدّة لفرعون. إذا أحزنه أمر. *إتّهام الأوصياء وشيعة الخط الرسالي بالسحر أمّا أمناء الرسل وشيعتهم وأنصارهم في الخط الرسالي فقد تحمّلوا ما تحمل الأنبياء والرسل، ذلك لانّ وحدة الخط والمنهج والهدف بين الرسل والأوصياء وشيعتهم هي التي تستدعي من الخصوم أن يمارسوا معهم نفس الممارسات التي يمارسونها مع الأنبياء والرسل (عليهم السلام)، فاذا كنا قد تكلمنا عن ممارسات اعداء الرسالة ضد أنبياء الله بخصوص المواجهة بالسحر فقد حان الوقت أن نتكلم عن ممارساتهم بهذا الخصوص ايضاً مع ورّاث الخط الرسالي فنقول: ان قوله تعالى: (وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر) فيها إشارة إلى أن ديدن العتاة المعاندين والكفر المكذِّبين لأنبياء الله واحد في الاعراض والتكذيب بل ان في الآية اشارة أخرى إلى أنهم لا يقتصرون فيه على الأنبياء، ذلك ان الآيات الدالة على وحدانيته تعالى وربوبيته لهذا الكون والدالة على حقانية وصدق من نصّبهم عزّ شأنه للعباد وهداة ودعاة وائمة كثيرة لا تقتصر على عصر دون عصر وعلى مصر دون مصر، فاذا كانوا قد كذّبوا بآية شق القمر وكذّبوا بغير هذه الآيات في زمن موسى وغيرها في زمن عيسى (ع) من قبيل آية العصا وآية نزول المائدة من السماء بل واتهام الأنبياء على رغم حقّانيتهم بالسحر ليُشير مرة أخرى على أن هذا الديدن في التكذيب والاتهام يمارس مع حَمَلَة هذا الهدى، والأمناء عليه ما زال هؤلاء يحملون مسؤولية مقاومة الطغيان والكفر والضلال ونشر الهدى والإيمان والعدالة. وعند مطالعة الاعلام المعاصر فانه رغم تركه في أغلب الأحيان للفظة سحر وساحر ضد قادة الهدى والإيمان واتباعهم الاّ انه ما ترك معانيها ومرادفاتها، وكل المعاني القريبة والتي تجري مجراها أو تشترك معها في وجه من الوجوه، فلطالما ولا يزال ينعتهم بالإيهام والتعمية والتغطية والتزييف والتمويه والخداع والمكر والاحتيال والشعوذة وكل الأساليب التي يصرف بها الخصم خصمه عن معرفة وجه الحق، هذا إضافة إلى استعمال الإعلام المعاصر كافة الأساليب الأخرى التي تحقق هذه المعاني وبشكل فني دقيق وخفي لمواجهة علمية ضد خط الإيمان والرسالة السماوية واتباعها، حتى بلغ حدّا من التأثير في ذهنية الفرد المتتبع لاعلامهم أن ينصرف عن كل حق، وان يلتبس عليه الواقع، شأنه شأن المسحور الذي ما صار مسحوراً إلاّ بتأثير ما عُمِل ضد من عمل السحر والساحرين، بل إلى الحدّ الذي يمكن أن ننعت به أغلبية المتتبعين ان يتصوروا ويخيل إليهم من شدة سحر الإعلام ان الحضارات المادية المنخورة من الداخل انها في حالة قوّة وتفوّق، وان القوى العظمى تعجز أمامها كل قوة، وانها من شدة ما يخيّل إليهم من سحر الإعلام هذا أنها تهيمن على كل شيء، وقادرة على أحصاء انفاس العالم، وأنه لا فرار منها ولا خلاص إلاّ بالاستسلام لها والركوع أمامها، والحقيقة الواقعية التي عليها هذه الحضارات والقوى المتفرعنة والطاغوتية ليس كما يصورها الإعلام بل هي كما قلنا منخورة ومنحطة ومنهزمة داخلياً وفكرياً يخيل إلى المغفّلين والمغرورين بالقوى المادية انها تسعى وتتحرك، والواقع انها ميتة أو مشرفة على الموت والهلاك البائس المحتّم. ان هذا اللون من السحر يتم بواسطة تسخير قوى شياطين الإنس، ولا حاجة فيه إلى الاقتراب من شياطين الجن. انه سحر الأفكار والعقول والقلوب والاسماع والأبصار معاً. ان المشركين بالامس إذا كانوا يطلقون صفة الساحر على النبي (ص)، او على أوصيائه واتباعه لزعمهم انه (ص) يظهر الباطل بصورة الحق بكلمات فصيحة وخطب بليغة ووحي الهي يعجز الانس والجن ان يأتوا بمثله أو بعشر سور بل سورة واحدة من مثله والتي سرعان ما يصبأ اليها من يسمعها ويرغب فيها وينجذب اليها على حدّ قولهم، أو إذا كانوا يطلقون تهمة السحر على لفظ القرآن الكريم بل على ما يخبر عنه كمبالغة البعث في الافتراء عليه فان أعداء الرسالات اليوم وبعد اليوم من مشركين ومنافقين وكفّار يطلقون نفس النفثات المحمومة بحقّ قادة الإيمان والهدى وبحق أتباعهم وأبصارهم وشيعتهم وبحقّ رسالتهم ولا يريدون إلا مدلولها السابق، ولكن من خلال ألفاظ شاع استعمالها أكثر من لفظة "ساحر" وهي الشعوذة، والمكر، والخداع، والمغالطة، والتمويه باظهار الباطل في صورة الحق. على نحو اطلاق الملزوم وارادة اللازم وغير ذلك من أساليب. ذلك لان هذه الالفاظ لها حالياً مدلولات حقيرة ومهينة بنظر الرأي العام أكثر من لفظ "ساحر". *أساليب القرآن في مواجهة السحر لقد سلك القرآن الكريم عدة اساليب في مواجهة الخصوم الذين واجهوا الأنبياء بمواجهة السحر بشقيها الشق الدعائي "الاتهام بالسحر" والشق التطبيقي "عمل السحرة". وهذه الأساليب كالتالي: أولاً: تحديد الحكم الشرعي من السحر: لا شك ان الحكم الشرعي يترتب على موضوعه، وعند استقراء الآيات القرآنية نجد أن السحر في حقيقته الموضوعية عبارة عن كيد وخدعة، وهو من عمل المفسدين، وانه لا يفلح، وشرّ يستعاذ منه، وأنه عمل لا خلاق له في الآخرة. فإذا تبيّن ان حقيقة السحر هي هذه، فان الحكم هو النهي عنه في الجملة بلا شك بل ان حرمته من ضروريات الدين بين المسلمين وقوله تعالى: (وما يعلّمان من أحد حتى يقولا إنّما نحن فتنة فلا تكفر...) أي لا تكفر باستعمال السحر المضر كأن تجعل الناس يعتقدون انك تحيي وتميت وتفعل ما لا يقدر عليه إلاّ الله فان ذلك كفر. وفيه اشارة إلى أن العامل به كافر، وان ما يتعلمونه نعمة من النعم فلا يضعوها في غير محلها وهو إبطال سحر السحرة وإبطال دعاواهم الخطيرة على الدين. وقد يستفاد من كثير من الروايات حرمته تعلّما وعملاً وتكسباً به وكونه من الذنوب الكبيرة التي يستحق فاعلها بدون التوبة منها النار وسوء العقاب في الآخرة وكونه كالكافر. فمثل هذا الحكم وهذه النعوت الذميمة والمخيفة التي يستحقها المنتسب إلى السحر عملاً وتعليماً وتكسباً تقتل مواجهة الخصوم بالسحر في جانبها الدعائي _أي الاتهام بالسحر _ إذ مثل هذا الموقف الشرعي الذي تسجله الشريعة بحق السحر عملاً وتعلماً وتكسباً ليفرغ إتهام الخصوم للأنبياء (عليهم السلام) بالسحر من محتواه وتأثيره، إذ كيف يصدّق من يسمع هذه التهمة وهي توجّه إلى من يُحرّم مفادها وينعت القائم بها بما مرّ من النعوت. هذا من جهة الاتهام أما من جهة عمل السحر، فقد سلك القرآن تجاه هذا الشق من المواجهة مسلكاً مشابهاً فقد أجاز السحر في مقام دفع الضرر وردّ المواجهة، ومن الاستدلالات القرآنية على هذا الجواز ما ذكره صاحب مصباح الفقاهة في الجزء الأول ص 299 حيث قال: "نعم يمكن الاستدلال على الجواز بالآية الواردة في قصة هاروت وماروت بتقريب أن السحر لو لم يكن جائز الاستعمال حتى في مقام دفع الضرر لم يجز تعليمه أصلاً، فجواز التعليم يدل على جواز العمل به في الجملة، والقدر المتيقن منه هو صورة دفع ضرر الساحر، وكيف كان فلا ريب في انه قد يجب إذا توقفت عليه مصلحة ملزمة، كما إذا ادعى الساحر منصباً من المناصب الالهية، كالنبوة والامامة" انتهى. ثانياً: مواجهة السحر بالمعجزة: إن الشعوذة هي عبارة عن الخفّة في اليد، والسرعة في الحركة، فإن المشعوذ الحاذق يفعل الأمور العادية والأفعال المتعارفة بتمام السرعة، بحيث يشغل اذهان الناظرين بأشياء ويأخذ حواسهم إليها، ثم يعمل شيئاً آخر بسرعة شديدة وبحركة خفيفة فيظهر لهم غير ما انتظروه ويتعجبون منه، ولكن الصادر منه أمر واقعي، كأخذ الأشياء من موضع ووضعها في موضع آخر بالسرعة التامة حتى يتخيل الناظر إليها انها انتقلت بنفسها، فالنقل والانتقال أمر حقيقي، ولكن الناظر لا يلتفت إلى الناقل، وهذا بخلاف السحر، فانه أمر خيالي محض. وبعد انّ عرفت ذلك أقول: انّ المواجهة بين القرآن والسحرة هي مواجهة أمر واقعي اسمه (المعجز) وأمر تخييلي لا واقع له ولا حقيقة اسمه (السحر) وأنّى لهذا الثاني ان يصمد أمام الأول، فالحيّة الحقيقية قادرة على ابتلاع الحبال والعصي الميتة التي يخيّل للناظرين أنها أفاعي وليس العكس. والاحجار وهي تتحول إلى لؤلؤ حقيقي أثمن وأعزّ من الأحجار التي يُتخيل إلى الناظر انها لؤلؤ دون أن تنقلب حقيقة إلى الحالة اللؤلؤية. ان مواجهة بهذا الشكل لا قياس بين كفتيها، وان قيس فما هو إلاّ كقياس الصفر إلى المليون عرفاً لا يمكن ان تنتهي إلاّ إلى النتيجة التي أخبر عنها القرآن الكريم وهي: العلو والغلبة للحق والواقع والاندحار والخزي والذل للباطل والأوهام والخيالات. ومن قراءة الآيات التالية يتّضح ما قلناه: قال تعالى: (ولقد أريناه آياتنا كلّها فكذّب وأبى. قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى. فلنأتينّك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعداً لا نُخلِفُه نحن ولا أنت مكاناً سوىً. قال موعدكم يوم الزّينة وأن يحشر النّاس ضحىً. فتولّى فرعون فجمع كيده ثمّ أتى. قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى. فتنازعوا أمرهم بينهم وأسرّوا النجوى. قالوا إن هذانِ لساحران يريدان ان يخرجاكم من ارضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى، فأجمعوا كيدكم ثمّ ائتوا صفاً وقد افلح اليوم من استعلى. قالوا يا موسى إمّا ان تُلقي وإمّا أن نكون أوّل من ألقى. قال بل القوا فاذا حبالهم وعصيّهم يخيّل إليه من سحرهم أنّها تسعى. فأوجس في نفسه خيفة موسى. قلنا لا تخف إنّك أنت الأعلى. وألقِ ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنّما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح السّاحر حيث أتى. فأُلقي السّحرة سجّداً قالوا آمنا بربِّ هارون وموسى). ثالثاً: أساليب أخرى مختلفة في المواجهة: ولم يقتصر القرآن الكريم في الوقوف أمام الخصوم في مواجهة السحر على الأسلوبين السابقين بل حاول أن يقطع الطريق على هذه المواجهة من أن تصل إلى غايتها وتترك أثرها بعدة أساليب مختلفة أخرى منها: التوكل على الله لابطاله والاستعاذة من شرِّ السحر والسحرة به تعالى لدفعه. وقد نزلت سورة الفلق لهذا الغرض. إذ إنّ السحر لو كان المقصود منه ابطال دعوة الأنبياء وادعاء ان الساحر يأتي بمثل ما يأتون به (عليهم السلام) وإنّه يقدر على ما يقدر عليه الله عزّ وجلّ فان الله سبحانه وتعالى سيبطله بصريح قوله الذي حكاه على لسان موسى (ع): (قال موسى ما جئتم به السحر إنّ الله سيبطله). فبإضافة هذه الحقيقة القرآنية إلى سائر الموانع الأخرى وكلّها ترجع إلى الله عزّ وجلّ لنصل إلى نتيجة لا يجوز معها الارتياب وهي أنّ هذه المواجهة ما دام الهدف منها تكذيب الأنبياء والسخرية منهم وابطال دعوتهم فانها محكوم عليها بالفشل والبطلان وعدم التأثير البتة. واستقراء سيرة الرسول (ص) المنقولة بالطرق الصحيحة والسالمة من تأثير هذه المواجهة لدليل عملي آخر يشهد لذلك، بل هناك ما يؤيّد عدم تأثير السحر في الأنبياء، وهو ما نقله نعمة الله الجزائري (رحمه الله) في قصص الأنبياء عن قصة نبي الله جرجيس حيث قال: "فلما أصبح الملك دعاه فجلده بالسياط على الظهر والبطن ثم ردّه إلى السجن ثم كتب إلى أهل مملكته أن يبعثوا إليه بكل ساحر فبعثوا بساحر استعمل كل ما قدر عليه من السحر فلم يعمل فيه". *السحر وعلاقة السلطة الطاغوتية به إنّ السلطة الطاغوتية تمثل ارادة الشيطان في الأرض، والسلطة الإلهية عبر الأنبياء والأولياء ونوابهم تمثل ارادة الله عزّ وجلّ. ولكل من السلطتين فكر وعقيدة ومنهج. ولما كان البحث عن المناهج في المواجهة نقول ابتداءً ان منهج الطاغوت ينبع من الأفكار والعقائد الشيطانية كالمكر، والكفر، والتمويه، والخداع، والغش، والتفرقة، والاضلال، والعناد، والهوى، والاستكبار، والحسد، والتمرد على الحق، ومحاربته، والعداوة لله وللإنسان، ويسير طبق هذه المبادىء والمعالم الخبيثة. وقد مرّ بنا موقف الشريعة الإلهية منها في البحث عن حقيقة اسحر وموضوعه. أما موقف السلطة الطاغوتية فيلتقي مواجهة السحر لقاء المعلول بعلته ذلك لان السحر ينفتح على باب واسع ومهم من الصفات الرذيلة التي يريد الطاغوت إلصاقها بدعاة الرسالة للاغرار بهم وحربهم والقضاء عليهم والخلاص منهم، ولهذا لا نستغرب لو رأينا تاريخ المواجهة بين الجبهتين _جبهة الله عزّ وجلّ وجبهة الطاغوت _ يتصدره استعمال هذه المواجهة من قبل كبراء وطواغيت وحكام جبهة الشيطان، قال تعالى: (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلاّ قالوا ساحر أو مجنون). بل وتتصدره كمواجهة عملية يتجاوز فيها أعداء الرسالة السماوية حدود الاتهام إلى حدود طلب الغلبة وابطال أمر المقابل واعمال الشر فيه، وقد قص لنا القرآن كيف استعان فرعون (لعنه الله) بالسحرة للوقوف أمام دعوة موسى (ع). واعلم أن السرّ في اعتماد الطواغيت على السِحر والسحرة في الوقوف أمام الأنبياء ودعواتهم الإلهية يمكن أن يبيّن بنقطتين: الأولى: ان عقول العوام الذين يمثلون الأكثرية الساحقة وكلمة الرأي العام بالامكان التغرير بها وخداعها من خلال السحر وفنونه. ولكن لما كان للأنبياء (عليهم السلام) علاقة بالله عزّ وجلّ يتم من خلالها ابطال كل أنواع السحر وفنونه لهذا يلجأ الطغاة إلى اعدام السحرة لانهم لم يحققوا لهم قضية خداع الجمهور والتغرير به، ولانه لم يجيء من ورائهم إلاّ خلاف ما يترقبونه منهم وهو انفضاحهم بشكل علني لا يقبل أي تفسير أمام الحشود الجماهيرية التي هي هدف الطرفين، إذ طرف الطاغوت يسعى أن تكون وسيلته الضاربة لضرب الباطل وأهله على زعمه. وطرف الأنبياء والهداة يسعى أن ينكشف أمر الطغاة واساليبهم أمام هذه القوى الجماهيرية والحشود الشعبية لينطلقوا من هذه الحالة في هدايتهم وجذبهم نحو الإيمان بالله والتحرر من اسر الطواغيت وتسلطهم. والثانية أن السحر على رغم الموقف السلبي للشرائع السماوية منه فهو قضية لها أصالتها في تاريخ الشعوب وفي تاريخ حضاراتهم مغرية للنفوس بل تعوّل عليها أكثر الأمم السابقة في كثير من الأمور. يقول الدكتور طه الهاشمي بهذا الصدد: "وما السحر إلا طريق لاستخدام قوى الطبيعة أو تغيرها لتصبح خاضعة لارادة الإنسان بغية المحافظة على رفاهه وصياغة قسمته". إذن فاستعمال الطواغيت لقوى السحر والسحرة ضد دعوات الأنبياء إضافة إلى ما ذكرناه في النقطة الأولى هو إثارة هذه النظرة الشعبية العريقة للسحر والتي تعدّه بالخصوص الاقوام البدائية من الأمور الدينية، وطرحها كقضية مقدسة تعبر عن ارادة هذه الأقوام ومعتقداتهم، وغاية ما يتذرّعون به للدفاع عمّن يريد بهم شراً، كما يصوِّر لهم الطاغوت، كاخراجهم من ارضهم، وتغيير دينهم، وترك ملتهم وان كان ساحراً بزعمهم. قال تعالى وهو يبين حكاية هذا الأمر: (قال الملأ من قوم فرعون إنّ هذا لساحر عليم. يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون). كل ذلك من أجل أن يحرِّف الصراع الرسالي القائم والمستهدف لوجود الطواغيت ووجود نظامهم وطغيانهم وكفرهم خاصة، ولكونه يستهدف ما يمثل ارادة هذه الاقوام واعتقاداتهم وتراثهم وشعورهم ورأيهم العام وليضعوا الأنبياء في حالة صراع بالتالي مع البشر الذين جاءوا لهدايتهم وخيرهم وسعادتهم ومن أجل ان تثار ذهنية الجماهير لاستخدام السحر كوسيلة للمقاومة والظفر والخلاص وقد حصل هذا بالفعل حيث حكى القرآن ذلك بقوله تعالى: (فلنأتينّك بسحرٍ مثله). هذا ما يقصدونه في اعلامهم الخارجي، ولكن حينما يخزون ويندحرون بعد ما يرون السحرة يستسلمون ويسجدون لقوى الإيمان والأنبياء وهم يشاهدون المعاجز الالهية العظيمة يعلنون حين ذاك عن نواياهم وهي الكفر بما جاء به السحرة بل واتهامهم بأنهم متآمرون مع خصمهم على اخراجهم هم _أي اخراج الطواغيت لا غيرهم _ من الأرض والملك والسلطة، وبأنهم تلامذة لهذا الخصم والمعلم الكبير، من أجل الالتفاف على ما أحدثته المعجزة من انقلاب في عمق هذا الانسان تجاه الطاغوت وقدرته وتجاه مصيره وبقائه، وتجاه ما يملك الخصم من قوة وقدرة فائقة لا يمكن ان تفسر بالسحر بأيّ وجه من الوجوه، وما ستؤول اليه هذه القوة من الانتصار والغلبة على نفس الطاغوت مهما أُوتي هذا الطاغوت من حيل ومكائد وأساليب ملتوية. وهكذا هي طريقة الطواغيت يتبنون في الظاهر قضايا شعوبهم وجماهيرهم ولكنهم في الواقع يضعونهم دروعاً يختلون من ورائها ويحتمون بها شخصياً ويحمون بها ملكهم وملذاتهم، ولكن حينما تبدو هذه الدروع غير قادرة على حمايتهم، إذ ليس من الضروري أن يكونوا قادرين على حمايتهم في كل الأحوال سرعان ما ينهالون عليهم بالتعذيب والصلب والسجن والقتل والتمثيل بهم وفي أدنى الاحوال بالتهديد والوعيد وخنق الأنفاس والحريات

أساليب القرآن في مواجهة السحر + بواعث السحر

*أساليب القرآن في مواجهة السحر + بواعث السحر


لقد اختلف في تحديد معنى السحر كما اختلف أهل الفقه في ذلك، ومن جملة كلمات اللغويين في تحديد معناه ما جاء في لسان العرب حيث قال صاحبه:
"ومن السحر الأخذة التي تأخذ العين حتى يظن أن الأمر كما يرى وليس الأصل على ما يرى. والسحر الأخذة، وكل ما لطف مأخذه ودقّ فهو سحر" وجاء عن ابن فارس: "هو اخراج الباطل في صورة الحق".
وعن المجمع للطريحي: "فأنّى تسحرون": أي فكيف تخدعون عن توحيده ويموّه لكم، وقال في قوله تعالى: (إن تتّبعون إلا رجلاً مسحوراً) أي مصروفاً عن الحق. وتسمي السحر سحراً لأنه صرف عن جهته".
أما أهل الفقه فقد جاء عن بعضهم ما يلي:
قال العلاّمة في القواعد والتحرير: "كلام يتكلم به، أو يكتبه أو رقية، أو يعمل شيئاً يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة".
أما في الكتاب فما يستفاد من كلمات أهل اللغة يمكن أن يستفاد من الكتاب الكريم إذ عند قراءة الآيات التي تناولت قضية السحر في سورة طه يستفاد منها أن السحر كيد وخدعة ولا واقع له ولذا قالوا: (إن هذان لساحران) أي ليس فيهما حقيقة وواقعية ويؤيده قوله تعالى بعد: (فأجمعوا كيدكم) أي اجمعوا خدعكم واصرح منه في الدلالة قوله تعالى: (يخيل من سحرهم أنّها تسعى) ويؤكده قوله تعالى: (انّما صنعوا كيد ساحر).
ويقول محمّد رشيد رضا صاحب تفسير المنار والمعنى الجامع للسحر انه أعمال غريبة من التلبيس والحيل تخفى حقيقتها على جماهير الناس لجهلهم بأسبابها فمتى عرف سبب شيء منها بطل اطلاق اسم السحر عليه، ولذلك كان الاقوام الجاهلون يعدّون آيات الرسل الكونية التي يؤيدهم الله تعالى بها من قبيل السحر.
ويجعلون هذا مانعاً من دلالتها على صدقهم ومن تأييد الله تعالى لهم، لان السحر صنعة تتلقى بالتعليم والتمرين فيمكن لكل أحد ان يكون ساحراً إذا اتيح له من يعلمه السحر".
وسواء أخذنا بتحديدات اهل اللغة أو الفقه أو بما قاله هذا المفسر أخيراً فهو أسلوب من اساليب المواجهة يعمد فيه الخصوم إلى استعمال مضامين كل هذه المفردات التي وردت في تعريفه. وهي _مما لا شك فيه _ لها أثرها البالغ في عموم الناس الجاهلين البعيدين عن الهدى والإيمان. ولهذه الاساليب طلاّبها ومروّجوها وساحتها في المجتمع وذهنيته، بل هي من أبرز الاساليب التي تلجأ اليها جبهة الكفر والطغيان في محاربة ومعارضة جبهة الهدى والايمان في المراحل الأولى من مراحل المواجهة عادة.
ولأنّ طرق استحصال هذا الاسلوب غالباً مرتبطة بالشر والشيطان والإنحرافات الأخلاقية والسلوكية والجن والأرواح، ولتأثيرها السريع والخفي على من تمارس ضدّه ممن ليس لديه حصانة ومناعة منه عمد خصوم الرسالات إلى اتهام الرسل (عليهم السلام) ورسالاتهم به أو بممارسته والعمل به من أجل تكذيبهم أولاً، ومن أجل خلق المبرر في معارضتهم والوقوف أمامهم ثانياً، ولو بممارسة نفس السحر، بل ذهبوا إلى أكثر من ذلك أن اتبع فريق منهم كتب السحر وما تتلوا الشياطين على الأنبياء كمنهج حياتي وعقائدي يتميزون به عن جبهة الوحي والرسالات السماوية. قال تعالى: (واتبعوا ما تتلو الشّياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكنّ الشّياطين كفروا...).
ذكر الفخر الرازي في جملة الآراء في المسألة الولى وهي قوله تعالى: (واتبعوا) أنه قال:
أحدها: أنّهم اليهود الذين كانوا في زمان محمّد عليه الصلاة والسلام. وبعد ذكر القول الثاني والثالث قال:
ورابعهما: انه يتناول الكل وهذا أولى لانه ليس صرف اللفظ إلى البعض أولى من صرفه إلى غيره إذ لا دليل على التخصيص. قال السديّ: لما جاءهم محمّد عليه الصلاة والسلام عارضوه بالتوراة فخاصموه فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا القرآن واخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت فلم يوافق القرآن فهذا قوله تعالى: (ولما جاءهم رسول من عند الله مصدّق لما معهم نبذ فريق من الذين اوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم) ثم أخبر عنهم بأنهم اتبعوا كتب السحر.
*الإتهام بالسحر (الأسباب والممارسات والاهداف)
ان الاتهام بالسحر قديم قدم المجتمعات البشرية، فمنذ أن بعث الله عزّ وجلّ رسله إلى الأمم والأقوام يعظونهم ويوجهونهم ويبشرونهم بثوابه وينذرونهم عقابه ويذكرونهم بالحياة الأبدية في الآخرة وبالحشر والحساب هناك وان الله يبعث من في القبور وأن النار والعذاب نصيب العاصين رسله والظالمين لهم ولمن آمن بهم، بدأ المكذّبون البعيدون عن هداية رسول العقل والفطرة يفسرون هذه العلاقة بين السماء والأرض وبين الأنبياء والوحي بلسان الجحود والانكار والهوى والاستكبار، قائلين لو كانت هذه العلاقة بين الأنبياء وبين الله ووحيه صادقة حقّة لكانت موجودة عند باقي البشر من أمثالهم ولما كانت هذه العلاقة غير موجودة عند هذا الباقي من البشر فهي عند الأنبياء ليس لانهم ليسوا إلاّ بشر مثلهم، وعليه فلابد من توجيه هذا اللون من الادعاء توجيها يتلائم ونظرتهم واعتقادهم، فكان السحر واحداً من هذه التوجيهات والمواجهات متخذين من وجه الشبه الظاهري بين الساحر والنبيّ في جهة التأثير السريع واستمالة القلوب والاعتماد على أمور خفية شاهداً ومؤيّداً عليه.
فاتهام الأنبياء والرسل (عليهم السلام) بالسحر من قبل خصومهم المكذّبين لم ينبع من نظرة تحليلية واعية معمّقة للظروف الموضوعية الواقعية للتهمة والمتَّهم (بالفتح) وانما ينبع من افق الظروف الموضوعية الواقعية للمتّهم (بالكسر) إضافة إلى اعتماد أصحاب هذه المواجهة على نحو من أنحاء القياس الباطل في إبراز المواجهة وتصويرها.
ولو طالعنا آيات الكتاب المجيد من أجل أن نتحرّى الأسباب التي دعت المكذّبين إلى اتهام الرسل (عليهم السلام) بالحسر لوجدناها تنحصر بخمسة أمور هي كالتالي:
1_ الكفر: قال تعالى مبيّناً ذلك: (أكان للناس عَجَباً أن أوحينا إلى رجُلٍ منهم أن أنذِرِ النّاس وبشّر الذين آمنوا أنَّ لهم قدم صدق عند ربّهم قال الكافرون إنّ هذا لساحرٌ مبين).
2_ الطغيان والعلو والاستكبار: قال تعالى مبيّناً ذلك: (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلاّ قالوا ساحرٌ أو مجنون. أتواصوا به بل هم قوم طاغون).
3_ الظلم: قال تعالى مبيّناً دوره هنا: (نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلاّ رجلاً مسحوراً).
4_ الطمع وحبّ المال: قال تعالى مبيّناً هذا السبب في هذه المواجهة: (فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئِنَّ لنا لأجراً إن كنّا نحن الغالبين. قال نعم وانكم إذاً لمن المقربين).
5_ اتباع الهوى: قال تعالى مبيّناً ذلك: (اقتربت السّاعة وانشقّ القمر. وان يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر. وكذَّبوا واتّبعوا أهواءهم وكلّ أمر مستقر).
إذا أردنا ان نؤرّخ لهذه التهمة _المواجهة المنهجية _ فليس هناك كتاب تاريخي يؤرخ لها بشكل دقيق مثلما يعطيها القرآن _وان لم يكن كتاباً تاريخياً _ حظها من العراقة والقدم والامتداد في تاريخ الشعوب والمجتمعات الدينية حيث يذكر ان هذه التهمة استعملت ضد كل الرسل الذين ارسلوا هداة إلى اُممهم، أي بعبارة اخرى منذ أن تشكل أول مجتمع بشري بعد نبي الله آدم (ع)، ومنذ أن بعث لذلك المجتمع الأول رسول هداية.
نعم لقد تلقّى جميع الرسل (عليهم السلام) هذه المواجهة الظالمة من قبل خصومهم، وقد قال تعالى مشيراً إلى هذا العمق التاريخي لهذه المواجهة وإلى عراقتها في تاريخ المواجهات ضد رسله (عليهم السلام): (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون).
ففي سورة البقرة بيّن تعالى مواجهة الخصوم بالسحر ضد سليمان فقال: (واتّبعوا ما تتلوا الشّياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكنّ الشّياطين كفروا يعلّمون الناس السحر وما اُنزل على الملكين بباهل هاروت وماروت وما يعلّمان من أحد حتّى يقولا إنّما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلّمون منهما ما يفرِّقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارّين به من أحد إلاّ باذن الله ويتعلّمون ما يضرّهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون. ولو أنّهم آمنوا واتَّقوا لمثوبة من عند الله خيرٌ لو كانوا يعلمون).
ومن جملة أكاذيب هؤلاء الشياطين الإنسيين الذين ذكرتهم الآية الشريفة هو إدّعاؤهم ان سليمان (ع) حصل على هذا الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده بواسطة الطرق السحرية، وفي سورة الشعراء بيّن عزّ وجلّ مواجهتهم لشعيب(ع) فقال تعالى: (قالوا إنّما أنت من المسحَّرين. وما أنت إلاّ بشر مثلنا وإن نّظنّك لَمن الكاذبين)، وفي سورة المائدة بيّن تعالى مواجهة الخصوم بالسحر ضد عيسى(ع) قال تعالى: (إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيّدتّك بروح القدس تكلّم النّاس في المهد وكهلاً وإذ علّمتك الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل وإذ تخلق من الطّين كهيئة الطّير باذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني وتبريء الأكمهَ والابرص بإذني وإذ تخرج الموتى باذني وإذ كففت بني اسرائيل عنك إذ جئتهم بالبيّنات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلاّ سحر مبين).
وكنموذج واحد لهذه المواجهة ضده (ع) نذكر قوله تعالى وهو يحكي قول فرعون طاغية عصره فيه: (قال للملأ حوله إنّ هذا لساحر عليم. يريد ان يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون. قالوا ارجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين. يأتوك بكلّ سحّار عليم...).
وقد بالغ الخصوم في اتهامه بالسحر حتى خاطبوه: (يا ايّها السّاحر) وعبروا عنه بالسحر فقالوا (سحران تظاهرا) وقالوا عنه انه كبير السحرة ومعلمهم وانه ساحر عليم وانه من المسحرين وانه مسحور إلى غير ذلك.
والأمر هكذا وأشد مع النبي محمّد (ص) فقد ذكر له القرآن سبعة عشر مورداً من موارد مواجهته بتهمة السحر.
وقد وصفوه (ص) بأنه ساحر كذّاب، وساحر مبين، وأنه رجل مسحور، ويعلمه السحرة، ونعتوا رسالته بالسحر، فقالوا عنها: سحر مبين، وسحر مفترى، وسحر مستمر، وسحر يؤثر "أي يأخذه من السحرة ويرويه".
وكنموذج واحد أيضاً يشير إلى مواجهتهم له (ص) بهذه المواجهة نذكر قوله تعالى من سورة يونس فحيث قال عزّ وجلّ: (أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشّر الذين آمنوا أن لهم قد صدقٍ عند ربهم قال الكافرون إنّ هذا لساحرٌ مبين).
1_ قيل إنّ عيسى استقبله ناس من اليهود، فلما رأوه قالوا قد جاء الساحر ابن الساحر الفاعل ابن الفاعلة وقذفوه وامه فسمع ذلك ودعا عليهم فاستجاب الله دعاءه ومسخهم خنازير.
2_ وفي الدر المنثور أخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن طريق عكرمة عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي (ص) فقرا عليه القرآن فكأنه رق له فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال: يا عم إن قومك يريدون أن يحملوا لك مالاً ليعطوه لك فإنك أتيت محمّداً لتصيب ممّا عنده. قال: قد علمت قريش اني من أكثرها مالاً، قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك منكر أو أنك كاره له، قال: وماذا أقول فوالله ما فيكم رجل اعلم بالشعر مني لا برجزه ولا بقصيّه ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، والله ان لقوله الذي يقوله حلاوة، وان عليه لطلاوة، وانه لمثمر اعلاه، ومغدق أسفله، وانه ليعلو ولا يعلى، وانه ليحطم ما تحته.
قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال: دعني حتّى افكر، فلما فكّر قال ما هو إلاّ سحر يأثره عن غيره فنزلت (ذرني ومن خلقت وحيدا).
3_ قال الثعلبي: قالت العلماء بأخبار الأنبياء إنّ موسى وهارون (ع) وضع فرعون أمرهما على السحر، فأراد أن يقتلهما، فقال العبد الصالح حزقيل مؤمن آل فرعون: أتقتلون رجلاً يقول: ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم، فقال الملأ من قوم فرعون (أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين. يأتوك بكلّ ساحر عليم) وكانت لفرعون مدائن فيها السحرة معدّة لفرعون. إذا أحزنه أمر.
*إتّهام الأوصياء وشيعة الخط الرسالي بالسحر
أمّا أمناء الرسل وشيعتهم وأنصارهم في الخط الرسالي فقد تحمّلوا ما تحمل الأنبياء والرسل، ذلك لانّ وحدة الخط والمنهج والهدف بين الرسل والأوصياء وشيعتهم هي التي تستدعي من الخصوم أن يمارسوا معهم نفس الممارسات التي يمارسونها مع الأنبياء والرسل (عليهم السلام)، فاذا كنا قد تكلمنا عن ممارسات اعداء الرسالة ضد أنبياء الله بخصوص المواجهة بالسحر فقد حان الوقت أن نتكلم عن ممارساتهم بهذا الخصوص ايضاً مع ورّاث الخط الرسالي فنقول:
ان قوله تعالى: (وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر) فيها إشارة إلى أن ديدن العتاة المعاندين والكفر المكذِّبين لأنبياء الله واحد في الاعراض والتكذيب بل ان في الآية اشارة أخرى إلى أنهم لا يقتصرون فيه على الأنبياء، ذلك ان الآيات الدالة على وحدانيته تعالى وربوبيته لهذا الكون والدالة على حقانية وصدق من نصّبهم عزّ شأنه للعباد وهداة ودعاة وائمة كثيرة لا تقتصر على عصر دون عصر وعلى مصر دون مصر، فاذا كانوا قد كذّبوا بآية شق القمر وكذّبوا بغير هذه الآيات في زمن موسى وغيرها في زمن عيسى (ع) من قبيل آية العصا وآية نزول المائدة من السماء بل واتهام الأنبياء على رغم حقّانيتهم بالسحر ليُشير مرة أخرى على أن هذا الديدن في التكذيب والاتهام يمارس مع حَمَلَة هذا الهدى، والأمناء عليه ما زال هؤلاء يحملون مسؤولية مقاومة الطغيان والكفر والضلال ونشر الهدى والإيمان والعدالة.
وعند مطالعة الاعلام المعاصر فانه رغم تركه في أغلب الأحيان للفظة سحر وساحر ضد قادة الهدى والإيمان واتباعهم الاّ انه ما ترك معانيها ومرادفاتها، وكل المعاني القريبة والتي تجري مجراها أو تشترك معها في وجه من الوجوه، فلطالما ولا يزال ينعتهم بالإيهام والتعمية والتغطية والتزييف والتمويه والخداع والمكر والاحتيال والشعوذة وكل الأساليب التي يصرف بها الخصم خصمه عن معرفة وجه الحق، هذا إضافة إلى استعمال الإعلام المعاصر كافة الأساليب الأخرى التي تحقق هذه المعاني وبشكل فني دقيق وخفي لمواجهة علمية ضد خط الإيمان والرسالة السماوية واتباعها، حتى بلغ حدّا من التأثير في ذهنية الفرد المتتبع لاعلامهم أن ينصرف عن كل حق، وان يلتبس عليه الواقع، شأنه شأن المسحور الذي ما صار مسحوراً إلاّ بتأثير ما عُمِل ضد من عمل السحر والساحرين، بل إلى الحدّ الذي يمكن أن ننعت به أغلبية المتتبعين ان يتصوروا ويخيل إليهم من شدة سحر الإعلام ان الحضارات المادية المنخورة من الداخل انها في حالة قوّة وتفوّق، وان القوى العظمى تعجز أمامها كل قوة، وانها من شدة ما يخيّل إليهم من سحر الإعلام هذا أنها تهيمن على كل شيء، وقادرة على أحصاء انفاس العالم، وأنه لا فرار منها ولا خلاص إلاّ بالاستسلام لها والركوع أمامها، والحقيقة الواقعية التي عليها هذه الحضارات والقوى المتفرعنة والطاغوتية ليس كما يصورها الإعلام بل هي كما قلنا منخورة ومنحطة ومنهزمة داخلياً وفكرياً يخيل إلى المغفّلين والمغرورين بالقوى المادية انها تسعى وتتحرك، والواقع انها ميتة أو مشرفة على الموت والهلاك البائس المحتّم. ان هذا اللون من السحر يتم بواسطة تسخير قوى شياطين الإنس، ولا حاجة فيه إلى الاقتراب من شياطين الجن. انه سحر الأفكار والعقول والقلوب والاسماع والأبصار معاً.
ان المشركين بالامس إذا كانوا يطلقون صفة الساحر على النبي (ص)، او على أوصيائه واتباعه لزعمهم انه (ص) يظهر الباطل بصورة الحق بكلمات فصيحة وخطب بليغة ووحي الهي يعجز الانس والجن ان يأتوا بمثله أو بعشر سور بل سورة واحدة من مثله والتي سرعان ما يصبأ اليها من يسمعها ويرغب فيها وينجذب اليها على حدّ قولهم، أو إذا كانوا يطلقون تهمة السحر على لفظ القرآن الكريم بل على ما يخبر عنه كمبالغة البعث في الافتراء عليه فان أعداء الرسالات اليوم وبعد اليوم من مشركين ومنافقين وكفّار يطلقون نفس النفثات المحمومة بحقّ قادة الإيمان والهدى وبحق أتباعهم وأبصارهم وشيعتهم وبحقّ رسالتهم ولا يريدون إلا مدلولها السابق، ولكن من خلال ألفاظ شاع استعمالها أكثر من لفظة "ساحر" وهي الشعوذة، والمكر، والخداع، والمغالطة، والتمويه باظهار الباطل في صورة الحق. على نحو اطلاق الملزوم وارادة اللازم وغير ذلك من أساليب. ذلك لان هذه الالفاظ لها حالياً مدلولات حقيرة ومهينة بنظر الرأي العام أكثر من لفظ "ساحر".
*أساليب القرآن في مواجهة السحر
لقد سلك القرآن الكريم عدة اساليب في مواجهة الخصوم الذين واجهوا الأنبياء بمواجهة السحر بشقيها الشق الدعائي "الاتهام بالسحر" والشق التطبيقي "عمل السحرة". وهذه الأساليب كالتالي:
أولاً: تحديد الحكم الشرعي من السحر: لا شك ان الحكم الشرعي يترتب على موضوعه، وعند استقراء الآيات القرآنية نجد أن السحر في حقيقته الموضوعية عبارة عن كيد وخدعة، وهو من عمل المفسدين، وانه لا يفلح، وشرّ يستعاذ منه، وأنه عمل لا خلاق له في الآخرة.
فإذا تبيّن ان حقيقة السحر هي هذه، فان الحكم هو النهي عنه في الجملة بلا شك بل ان حرمته من ضروريات الدين بين المسلمين وقوله تعالى: (وما يعلّمان من أحد حتى يقولا إنّما نحن فتنة فلا تكفر...) أي لا تكفر باستعمال السحر المضر كأن تجعل الناس يعتقدون انك تحيي وتميت وتفعل ما لا يقدر عليه إلاّ الله فان ذلك كفر. وفيه اشارة إلى أن العامل به كافر، وان ما يتعلمونه نعمة من النعم فلا يضعوها في غير محلها وهو إبطال سحر السحرة وإبطال دعاواهم الخطيرة على الدين. وقد يستفاد من كثير من الروايات حرمته تعلّما وعملاً وتكسباً به وكونه من الذنوب الكبيرة التي يستحق فاعلها بدون التوبة منها النار وسوء العقاب في الآخرة وكونه كالكافر.
فمثل هذا الحكم وهذه النعوت الذميمة والمخيفة التي يستحقها المنتسب إلى السحر عملاً وتعليماً وتكسباً تقتل مواجهة الخصوم بالسحر في جانبها الدعائي _أي الاتهام بالسحر _ إذ مثل هذا الموقف الشرعي الذي تسجله الشريعة بحق السحر عملاً وتعلماً وتكسباً ليفرغ إتهام الخصوم للأنبياء (عليهم السلام) بالسحر من محتواه وتأثيره، إذ كيف يصدّق من يسمع هذه التهمة وهي توجّه إلى من يُحرّم مفادها وينعت القائم بها بما مرّ من النعوت. هذا من جهة الاتهام أما من جهة عمل السحر، فقد سلك القرآن تجاه هذا الشق من المواجهة مسلكاً مشابهاً فقد أجاز السحر في مقام دفع الضرر وردّ المواجهة، ومن الاستدلالات القرآنية على هذا الجواز ما ذكره صاحب مصباح الفقاهة في الجزء الأول ص 299 حيث قال: "نعم يمكن الاستدلال على الجواز بالآية الواردة في قصة هاروت وماروت بتقريب أن السحر لو لم يكن جائز الاستعمال حتى في مقام دفع الضرر لم يجز تعليمه أصلاً، فجواز التعليم يدل على جواز العمل به في الجملة، والقدر المتيقن منه هو صورة دفع ضرر الساحر، وكيف كان فلا ريب في انه قد يجب إذا توقفت عليه مصلحة ملزمة، كما إذا ادعى الساحر منصباً من المناصب الالهية، كالنبوة والامامة" انتهى.
ثانياً: مواجهة السحر بالمعجزة:
إن الشعوذة هي عبارة عن الخفّة في اليد، والسرعة في الحركة، فإن المشعوذ الحاذق يفعل الأمور العادية والأفعال المتعارفة بتمام السرعة، بحيث يشغل اذهان الناظرين بأشياء ويأخذ حواسهم إليها، ثم يعمل شيئاً آخر بسرعة شديدة وبحركة خفيفة فيظهر لهم غير ما انتظروه ويتعجبون منه، ولكن الصادر منه أمر واقعي، كأخذ الأشياء من موضع ووضعها في موضع آخر بالسرعة التامة حتى يتخيل الناظر إليها انها انتقلت بنفسها، فالنقل والانتقال أمر حقيقي، ولكن الناظر لا يلتفت إلى الناقل، وهذا بخلاف السحر، فانه أمر خيالي محض.
وبعد انّ عرفت ذلك أقول: انّ المواجهة بين القرآن والسحرة هي مواجهة أمر واقعي اسمه (المعجز) وأمر تخييلي لا واقع له ولا حقيقة اسمه (السحر) وأنّى لهذا الثاني ان يصمد أمام الأول، فالحيّة الحقيقية قادرة على ابتلاع الحبال والعصي الميتة التي يخيّل للناظرين أنها أفاعي وليس العكس. والاحجار وهي تتحول إلى لؤلؤ حقيقي أثمن وأعزّ من الأحجار التي يُتخيل إلى الناظر انها لؤلؤ دون أن تنقلب حقيقة إلى الحالة اللؤلؤية. ان مواجهة بهذا الشكل لا قياس بين كفتيها، وان قيس فما هو إلاّ كقياس الصفر إلى المليون عرفاً لا يمكن ان تنتهي إلاّ إلى النتيجة التي أخبر عنها القرآن الكريم وهي: العلو والغلبة للحق والواقع والاندحار والخزي والذل للباطل والأوهام والخيالات.
ومن قراءة الآيات التالية يتّضح ما قلناه: قال تعالى: (ولقد أريناه آياتنا كلّها فكذّب وأبى. قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى. فلنأتينّك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعداً لا نُخلِفُه نحن ولا أنت مكاناً سوىً. قال موعدكم يوم الزّينة وأن يحشر النّاس ضحىً. فتولّى فرعون فجمع كيده ثمّ أتى. قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى. فتنازعوا أمرهم بينهم وأسرّوا النجوى. قالوا إن هذانِ لساحران يريدان ان يخرجاكم من ارضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى، فأجمعوا كيدكم ثمّ ائتوا صفاً وقد افلح اليوم من استعلى. قالوا يا موسى إمّا ان تُلقي وإمّا أن نكون أوّل من ألقى. قال بل القوا فاذا حبالهم وعصيّهم يخيّل إليه من سحرهم أنّها تسعى. فأوجس في نفسه خيفة موسى. قلنا لا تخف إنّك أنت الأعلى. وألقِ ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنّما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح السّاحر حيث أتى. فأُلقي السّحرة سجّداً قالوا آمنا بربِّ هارون وموسى).
ثالثاً: أساليب أخرى مختلفة في المواجهة: ولم يقتصر القرآن الكريم في الوقوف أمام الخصوم في مواجهة السحر على الأسلوبين السابقين بل حاول أن يقطع الطريق على هذه المواجهة من أن تصل إلى غايتها وتترك أثرها بعدة أساليب مختلفة أخرى منها:
التوكل على الله لابطاله والاستعاذة من شرِّ السحر والسحرة به تعالى لدفعه.
وقد نزلت سورة الفلق لهذا الغرض. إذ إنّ السحر لو كان المقصود منه ابطال دعوة الأنبياء وادعاء ان الساحر يأتي بمثل ما يأتون به (عليهم السلام) وإنّه يقدر على ما يقدر عليه الله عزّ وجلّ فان الله سبحانه وتعالى سيبطله بصريح قوله الذي حكاه على لسان موسى (ع):
(قال موسى ما جئتم به السحر إنّ الله سيبطله).
فبإضافة هذه الحقيقة القرآنية إلى سائر الموانع الأخرى وكلّها ترجع إلى الله عزّ وجلّ لنصل إلى نتيجة لا يجوز معها الارتياب وهي أنّ هذه المواجهة ما دام الهدف منها تكذيب الأنبياء والسخرية منهم وابطال دعوتهم فانها محكوم عليها بالفشل والبطلان وعدم التأثير البتة.
واستقراء سيرة الرسول (ص) المنقولة بالطرق الصحيحة والسالمة من تأثير هذه المواجهة لدليل عملي آخر يشهد لذلك، بل هناك ما يؤيّد عدم تأثير السحر في الأنبياء، وهو ما نقله نعمة الله الجزائري (رحمه الله) في قصص الأنبياء عن قصة نبي الله جرجيس حيث قال:
"فلما أصبح الملك دعاه فجلده بالسياط على الظهر والبطن ثم ردّه إلى السجن ثم كتب إلى أهل مملكته أن يبعثوا إليه بكل ساحر فبعثوا بساحر استعمل كل ما قدر عليه من السحر فلم يعمل فيه".
*السحر وعلاقة السلطة الطاغوتية به
إنّ السلطة الطاغوتية تمثل ارادة الشيطان في الأرض، والسلطة الإلهية عبر الأنبياء والأولياء ونوابهم تمثل ارادة الله عزّ وجلّ. ولكل من السلطتين فكر وعقيدة ومنهج. ولما كان البحث عن المناهج في المواجهة نقول ابتداءً ان منهج الطاغوت ينبع من الأفكار والعقائد الشيطانية كالمكر، والكفر، والتمويه، والخداع، والغش، والتفرقة، والاضلال، والعناد، والهوى، والاستكبار، والحسد، والتمرد على الحق، ومحاربته، والعداوة لله وللإنسان، ويسير طبق هذه المبادىء والمعالم الخبيثة.
وقد مرّ بنا موقف الشريعة الإلهية منها في البحث عن حقيقة اسحر وموضوعه.
أما موقف السلطة الطاغوتية فيلتقي مواجهة السحر لقاء المعلول بعلته ذلك لان السحر ينفتح على باب واسع ومهم من الصفات الرذيلة التي يريد الطاغوت إلصاقها بدعاة الرسالة للاغرار بهم وحربهم والقضاء عليهم والخلاص منهم، ولهذا لا نستغرب لو رأينا تاريخ المواجهة بين الجبهتين _جبهة الله عزّ وجلّ وجبهة الطاغوت _ يتصدره استعمال هذه المواجهة من قبل كبراء وطواغيت وحكام جبهة الشيطان، قال تعالى: (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلاّ قالوا ساحر أو مجنون).
بل وتتصدره كمواجهة عملية يتجاوز فيها أعداء الرسالة السماوية حدود الاتهام إلى حدود طلب الغلبة وابطال أمر المقابل واعمال الشر فيه، وقد قص لنا القرآن كيف استعان فرعون (لعنه الله) بالسحرة للوقوف أمام دعوة موسى (ع).
واعلم أن السرّ في اعتماد الطواغيت على السِحر والسحرة في الوقوف أمام الأنبياء ودعواتهم الإلهية يمكن أن يبيّن بنقطتين:
الأولى: ان عقول العوام الذين يمثلون الأكثرية الساحقة وكلمة الرأي العام بالامكان التغرير بها وخداعها من خلال السحر وفنونه. ولكن لما كان للأنبياء (عليهم السلام) علاقة بالله عزّ وجلّ يتم من خلالها ابطال كل أنواع السحر وفنونه لهذا يلجأ الطغاة إلى اعدام السحرة لانهم لم يحققوا لهم قضية خداع الجمهور والتغرير به، ولانه لم يجيء من ورائهم إلاّ خلاف ما يترقبونه منهم وهو انفضاحهم بشكل علني لا يقبل أي تفسير أمام الحشود الجماهيرية التي هي هدف الطرفين، إذ طرف الطاغوت يسعى أن تكون وسيلته الضاربة لضرب الباطل وأهله على زعمه. وطرف الأنبياء والهداة يسعى أن ينكشف أمر الطغاة واساليبهم أمام هذه القوى الجماهيرية والحشود الشعبية لينطلقوا من هذه الحالة في هدايتهم وجذبهم نحو الإيمان بالله والتحرر من اسر الطواغيت وتسلطهم.
والثانية أن السحر على رغم الموقف السلبي للشرائع السماوية منه فهو قضية لها أصالتها في تاريخ الشعوب وفي تاريخ حضاراتهم مغرية للنفوس بل تعوّل عليها أكثر الأمم السابقة في كثير من الأمور.
يقول الدكتور طه الهاشمي بهذا الصدد:
"وما السحر إلا طريق لاستخدام قوى الطبيعة أو تغيرها لتصبح خاضعة لارادة الإنسان بغية المحافظة على رفاهه وصياغة قسمته".
إذن فاستعمال الطواغيت لقوى السحر والسحرة ضد دعوات الأنبياء إضافة إلى ما ذكرناه في النقطة الأولى هو إثارة هذه النظرة الشعبية العريقة للسحر والتي تعدّه بالخصوص الاقوام البدائية من الأمور الدينية، وطرحها كقضية مقدسة تعبر عن ارادة هذه الأقوام ومعتقداتهم، وغاية ما يتذرّعون به للدفاع عمّن يريد بهم شراً، كما يصوِّر لهم الطاغوت، كاخراجهم من ارضهم، وتغيير دينهم، وترك ملتهم وان كان ساحراً بزعمهم.
قال تعالى وهو يبين حكاية هذا الأمر: (قال الملأ من قوم فرعون إنّ هذا لساحر عليم. يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون).
كل ذلك من أجل أن يحرِّف الصراع الرسالي القائم والمستهدف لوجود الطواغيت ووجود نظامهم وطغيانهم وكفرهم خاصة، ولكونه يستهدف ما يمثل ارادة هذه الاقوام واعتقاداتهم وتراثهم وشعورهم ورأيهم العام وليضعوا الأنبياء في حالة صراع بالتالي مع البشر الذين جاءوا لهدايتهم وخيرهم وسعادتهم ومن أجل ان تثار ذهنية الجماهير لاستخدام السحر كوسيلة للمقاومة والظفر والخلاص وقد حصل هذا بالفعل حيث حكى القرآن ذلك بقوله تعالى: (فلنأتينّك بسحرٍ مثله). هذا ما يقصدونه في اعلامهم الخارجي، ولكن حينما يخزون ويندحرون بعد ما يرون السحرة يستسلمون ويسجدون لقوى الإيمان والأنبياء وهم يشاهدون المعاجز الالهية العظيمة يعلنون حين ذاك عن نواياهم وهي الكفر بما جاء به السحرة بل واتهامهم بأنهم متآمرون مع خصمهم على اخراجهم هم _أي اخراج الطواغيت لا غيرهم _ من الأرض والملك والسلطة، وبأنهم تلامذة لهذا الخصم والمعلم الكبير، من أجل الالتفاف على ما أحدثته المعجزة من انقلاب في عمق هذا الانسان تجاه الطاغوت وقدرته وتجاه مصيره وبقائه، وتجاه ما يملك الخصم من قوة وقدرة فائقة لا يمكن ان تفسر بالسحر بأيّ وجه من الوجوه، وما ستؤول اليه هذه القوة من الانتصار والغلبة على نفس الطاغوت مهما أُوتي هذا الطاغوت من حيل ومكائد وأساليب ملتوية.
وهكذا هي طريقة الطواغيت يتبنون في الظاهر قضايا شعوبهم وجماهيرهم ولكنهم في الواقع يضعونهم دروعاً يختلون من ورائها ويحتمون بها شخصياً ويحمون بها ملكهم وملذاتهم، ولكن حينما تبدو هذه الدروع غير قادرة على حمايتهم، إذ ليس من الضروري أن يكونوا قادرين على حمايتهم في كل الأحوال سرعان ما ينهالون عليهم بالتعذيب والصلب والسجن والقتل والتمثيل بهم وفي أدنى الاحوال بالتهديد والوعيد وخنق الأنفاس والحريات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق