السحر بين النظرية والتطبيق


    تقديــــم:
       ترجع الجذور التاريخية للسحر إلى عهود ضاربة في القدم، على اعتبار أن ممارسته كانت متداولة  من طرف الناس منذ الأزل. ويقول المؤرخون بهذا الخصوص أن السحر ارتبط في البداية بمحاولة الإنسان السيطرة على محيطه وتطويع الكائنات التي تقوم بترويعه، فحاول من خلاله – أي السحر- السيطرة عليها وتسخير الطبيعة لصالحه.
       فالناس إذن، لم يكونوا يتوفرون – آنذاك- على وسيلة أخرى لفهم أنفسهم وما يحيط بهم، وهذا ما جعلهم يتخذون السحر مطية لقضاء أغراضهم والإجابة على أسئلتهم وحل مشاكلهم.
       وقد أثبت علماء الاركيولوجيا من خلال  مجموعة من الحفريات التي عثروا فيها على جملة من النقوش والتصاوير سواء في المقابر أو المدن الأثرية القديمة على وجود السحر  يعود إلى ما قبل التاريخ، إذ أن القدماء كانوا يعتقدون بكائنات غيبية خارقة. كما أن لها " طواطم "  وهياكل لعبادتها والتبرك بها لاتقاء شرها، ولهذا نرى القران الكريم يؤكد على أن القدماء لم يستطيعوا تقبل رسالات الأنبياء، وكانوا دائما ينسبون المعجزات التي يأتون بها إلى أفعال السحر أو إلى الجن، إذ جاء في القران الكريم قوله تعالى:﴿ كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون﴾.
       ومن هنا يتضح ذلك الخلط القائم بين السحر والدين عند القدماء، إذ أصبح الكثير من الكهنة والقساوسة والأحبار يمارسون السحر كطقس يومي من طقوسهم ، وهذا ما جعل مجموعة من الناس يعتقدون أن السحر جزء من الدين، مما منح لممتهني السحر حصانة دينية.
       فالسحر من هذا المنطلق أضحى يشكل تيمة أساسية داخل الحضارات القديمة إذ نجد  أن كبار المسؤولين السياسيين يوظفونه على أساس اتقاء الأزمات السياسية والاقتصادية، مما جعل دور السحرة يتعاظم داخل أرحبة البلاطات. ولعل هذا ما تبرزه قصة النبي موسى عليه السلام وحكايته مع سحرة فرعون.
       فموضوع السحر إذن، هو موضوع الماضي والحاضر وكذا المستقبل، وهذا ما يتوضح من خلال الدراسات والأبحاث المتعلقة بالعلوم الإنسانية خصوصا منها  الأنتروبولوجية والسوسيولوجية، إذ تحاول هذه العلوم فهم ما يدور في عقليات الشعوب وموقفها من هذه الظاهرة.
       مما سبق سنحاول أن نلامس هذا الموضوع انطلاقا من المنظور الديني – الإسلامي- وصولا إلى التفسيرات النظرية التي حاولت أن تقارب السحر كظاهرة اجتماعية، وهنا سنحاول الوقوف عند أهم النظريات الانتروبولوجية والسوسيولوجية التي حاولت التنظير للظاهرة انطلاقا من دراسات وأبحاث ميدانية داخل بعض المجتمعات دون أن ننسى الوقوف عند تمثل الناس للسحر والسحرة وطرق التعاطي لهذه الظاهرة.













1 - مفهوم السحر:
      إن السحر حقيقة ثابتة، وقد اعترفت به جل الأديان السماوية، ومارسه الأقدمون من مصريين وهنود وبابليين..وغيرهم.اعتقادا منهم أن هناك كائنات غيبية لها مفعول خارق، ونسبوا إليها القدرة على السحر والتصرف في حياة الناس، فخضعوا إليها وجعلوا لها مجسمات لعبادتها والتبرك بها لاتقاء شرها. فما هو إذن مفهوم السحر؟
     أ-  من الناحية اللغوية :
      كلمة سحر واردة بمعان كثيرة منها: ما جاء في لسان العرب لابن منظور : إذ ترد مادة سحر بمعان شتى منها على سبيل المثال لا الحصر: البيان ومنها أيضا ما تؤخذ به العين  حتى يظن أن الأمر كما يرى وليس الأصل على ما يرى، لذلك فإن السحر قد يعني الخديعة والفساد، لأن الطعام المسحور هو الطعام الفاسد[1].
        وقد وردت كلمة السحر كذلك في الكتاب " القرآن" والسنة واستعملت في معاني كثيرة.
        ب- في القرآن الكريم :
        جاءت كلمة السحر ومشتقاته ثلاثة وستني (63) مرة ووردت مستعملة في المعاني التالية :
1 ـ بمعنى الحاذق العالم : قال تعالى :" يأيها الساحر ادع ربك " سورة الزخرف الآية 49.
     وجاءت بمعنى الزور والكذب لقوله تعالى :" وجاءوا بسحر عظيم " سورة الأعراف الآية 116.
     وجاءت لربط العيون " سحروا أعين الناس" سورة الأعراف ، 116.
     وبمعنى الجنون والمسحور لقوله تعالى :" إن تتبعون إلا رجلا مسحورا" سورة الإسراء الآية 47.
       إضافة إلى معاني كثيرة أخرى لا داعي للخوض فيها نظرا لكثرتها.
           ج -  في السنة :
       فقد استعملت كذلك في معاني كثيرة نلخصها في مثالين :
      ـ جاءت بمعنى التخييل ومنه حديث : سحر اليهودي لبيد بن الأعصم للنبي صلى الله عليه وسلم :" حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله" صحيح البخاري.
     ـ وكذلك بمعنى الاستمالة : حسن الكلام والتلفظ حلاوة العبارة ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :" إن من البيان لسحرا " صحيح البخاري.
كما وردت تعريفات اصطلاحية مختلفة للسحر وهي كالآتي:
    فابن قدامة عرفه ب :" عقد ورقى وكلام يتكلم به أو يعمل شيئا في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة"[2].
    أما ابن خلدون فيعرفه يما يلي :" علوم بكيفية استعدادات تقتدر النفوس البشرية بها على التأثيرات في عالم العناصر إما بغير معين أو بمعين من الأمور السماوية، والأول هو السحر، والثاني هو الطلسمات"[3].
        وبناء على هذه التعريفات يمكن وضع تعريف اصطلاحي للسحر على أنه ، علم مكتسب تمارسه بعض النفوس الدنيئة إما بالخداع وتخييل الشيء على غير حقيقة، وإما بالإضرار بخلق الله تعالى، وإذايته ، وهذا الإضرار والخداع والتخييل لا يتحقق إلا بالاستعانة بالشيطان والتقرب إليه، أو عملا كعبادة الكواكب والتزام الجنابة وسائر الفسوق، أو اعتقادا كاستحسان يوجب التقرب إلى الشيطان ومحبته فيتحقق بذلك تأثير السحر في المسحور.
      وتبعا لهذه الصيغة التي تناولنا من خلالها التحديدات الاصطلاحية للسحر نستطيع أن نقول بأن :" السحر هو توظيف لمجموعة من الأعمال الخارقة للطبيعة وفق نواميس محددة يتم بموجبها خرق قوانين الطبيعة بغية تحقيق أهداف معينة.
        وهذا ما عرج بنا إلى الحديث عن بعض أنواع السحر..نظرا لصعوبة حصرها.
      2 -أنواع السحر:
        إذ ارتأينا من خلال هذه المداخلة إلى التطرق لأكثر هذه الأسحار شيوعا مع تقديمنا لبعض التوضيحات بخصوصها.
أولا سحر التفريق :
        فهذا النوع من السحر هو الأكثر شيوعا بين الناس والأكثر استعمالا من لدن السحرة على مر الأزمان، إذ يدخل ضمن خانة السحر العدواني، الذي يختص بأغراض الحب والهجر والمصائب والموت أو ما يمكن إلحاق الأذى عموما.
        فالساحر من خلاله يتمكن من السيطرة على المسحور وتطويعه كيفما أراد، وذلك وفق طقوس محددة. من ذلك مثلا ما روي عن عائشة في الصحيحين عن تعرض النبي صلى الله عليه وسلم للسحر حيث قالت :" سحر النبي صلى الله عليه وسلم حتى أنه يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله" فكم فرق هذا النوع من السحر من زوج وزوجة وكم أخ فرق بينه وبين أخيه وأخته....لقوله تعالى :" فيتعلمون ما يفرقون به بين المرء وزوجه و ماهم بضارين به من أحد..".
وفي هذا السياق لا بأس أن نقدم بعض أغراض التفريق بين الزوجين :
        ـ انقلاب الأحوال فجأة من حب إلى بغض.
        ـ غرس بذور الفرقة كسوء الظن وسوء الفهم.
        ـ تجسيم وتعظيم أسباب الفرقة والخلاف. وهلم جرا من الأغراض.
أما النوع الثاني فيطلق عليه: سحر الجوارح  " أو المرض".
        للإشارة فالسحر بجميع أنواعه مرض، ولكن عندما تكون أوامر السحر إصابة الإنسان بمرض معين أو أمراض متعددة، فيقال: إنه مصاب بسحر الجوارح.[4]
       وقد قال جمال عبد الباري في هذا الصدد:" وقد يأخذ السحر شكل مرض من الأمراض إلا أن أمراض السحر تختلف عن الأمراض العضوية في أنها متنقلة في الجسم".
       بعد ذلك أنتقل إلا سحر يسمى بسحر المحبة " أخرج ابن داوود وأحمد من حديث عبد الله بن مسعود أنه قال:" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" إن الرقى والتمائم والتولة شرك".[5]
       ولعل السبب من وراء هذا النوع من السحر هو توثيق صلات المحبة بين الرجل والمرأة. وكثيرا ما يرتاد النساء السحرة بهدف جعل زوجها خاتما بأصبعها.ثم أنهي سلسلة هذه الأنواع بسحر الخوف ،فهذا النوع من السحر يجعل الشيطان يستحوذ على المسحور. بسحر الخوف إذ يجعله يخاف من كل شيء، يستوحش المكان الذي هو فيه، ويخوفه من الموت، ومن الوحدة فتجده في حاجة لمن يكون بجواره دائما حتى يجعله يظن أنه مراقب من كل الناس.[6]
         وبعد هذه المقاربة التي حاولنا من خلالها إعطاء نظرة موجزة عن بعض تعريفات السحر وأنواعه- هذا طبعا- دون أن نقصد من خلالها الإحاطة أو الشمول.
      3 - السحر، الدين، العلم أية علاقة؟
         يبدو أن الدافع الأساسي لممارسة السحر، ليس دائما دافعا عدائيا، يتوخى الضرر بالآخرين بل حتى مواجهة الأزمات والمعضلات التي تصادف الإنسان في حياته وعلاقته، فأمام عوز الإمكانيات يمكن للإنسان أن يلجأ إلى استخدام الأدوات والمواد  والعلاقات التي يتوفر عليها  ليعطي لها دلالات ومعاني أخرى.
        فالشجرة لا تصلح فقط للاتقاء من حرارة الصيف والانتفاع بما تنتجه، بل هي أيضا بمثابة مزار تلعب ربما دور الطبيب عندما يتلق الأمر بنقص في وزن المولود أو هزالة صحته.
            إن المتأمل في هذا النوع من الاعتقاد الذي يضفي على الشجرة طابعا مقدسا، وهو يجعلها تتميز عن غيرها من الأشجار أنه اعتقاد مسكون بوعي بيئي أو ايكولوجي لا مفكر فيه.
            تكشف المعطيات السالفة أن هواجس أخرى تحضر للتفكير في السحر كالكراهية، الغضب، الأنانية، الطمع، الخوف....
          ويتم التمييز في السحر بين: السحر كمهنة واحتراف( السحر الرسمي)وبين السحر الشعبي أي اعتقاد الأفراد العاديين فيه والذين يميزون في ممارسته بين الأغراض الخيرة والأغراض الشريرة كالإخبار بالمستقبل وشفاء الأمراض، وكشف الكنوز والحب والزواج.[7]
         يميز " لفي برول" بين السحر والدين والذي يعتبره - أي السحر- مجرد انفعال غريزي يقوم على إنكار الأسباب الحقيقية واستبدالها بأخرى وهمية ذات طبيعة غيبية وغير منظورة. إنه العلامة على تأصل " عادات فكرية سيئة " بمثابة دليل على طفولة ذلك الفكر وقلة نضجه لكونه يعجز عم معرفة الواقع كما هو، وإدراكه كما هو بالفعل لا كما ينبغي أن يكون.[8]
         أما "تيلور"  فيرد السحر إلى الاعتقاد في قدرة الأرواح، وسيذهب إلى الملاحظة أن البدائي كان ضحية التشابه القائم بين الأشياء حيث  أنه يستبدل العلاقات الفعلية التي تعكس التشابه الفعلي بين الموجودات بعلاقات خيالية تعكس تشابه خيالي بينهما
        أما الوظيفيون فقد عالجوا السحر بوصفه مؤسسة اجتماعية تقوم  بوظيفة الضبط الاجتماعي، فالسحر الأسود يلاحظ " مالينوفسكي" يتصرف بوصفه سلطة قانونية أصيلة وذلك بإسهامه في انتصار قائمة المحظورات التي يصنفها الشرع القبلي، وبالحيلولة دون الهرع إلى العنف وكذلك بإحلال التوازن.[9]
         ضد مجموع هذه الرؤى يصرف  "لفي ستراوس" نظرة بدائية عن المضامين ليفته إلى حضور تناظر بنيوي بين السحر والعلم. فخلافا لما ظل البعض يزعمونه مدة طويلة من أن الأساطير والطقوس تكمن في أنها تحفظ حتى أيامنا أساليب من التفحص والنظر لذا تراه يقترح تعديل  العلاقة الواجب إقامتها بين السحر والعلم، فيقول: عوضا أن نضع السحر في مقابل العلم يكون من الأفضل أن نضعهما متوازيين الواحد إزاء الآخر، كصيغتين من صيغ المعرفة متفاوتتين  من حيث نتائجهما النظرية والعملية، قلا جدال من هذه الناحية حول أن العلم يحقق نجاحا أفضل من ذلك الذي يحققه السحر، رغم أن هذا يستبق شكل العلم بمعنى أنه ينجح  هو الآخر.[10]
          يصبح من الجائز قولنا أن السحر لا يختلف عن العلم من حيث أنه يمثل أعتى تجليات  اللامعقول وأن الفرق الأساسي بين السحر والعلم على أن أحدهما ينطلق في التسليم بحتمية كاملة وتامة، في حين الآخر يشتغل على التمييز بين مستويات عدة بعضها فقط يرتدي  أشكالا حتمية  غير قابلة للتطبيق على المستويات الأخرى... هكذا تبدو الطقوس والمتقدات السحرية بمثابة أنواع من التعبير عن فعل إيمان بعلم لم يولد بعد.[11]  
         في بداية مقالته " في الفكر الأسطوري البابلي "  أورد يوسف الحوراني ملاحظة ختم بها الباحث البريطاني " جيمز فريزر" موسوعته " الغصن الذهبي" في دراسته الميتولوجيا يقول : إن التشابه جوهري بين حاجات الإنسان في كل زمان ومكان.... وأن الحركة الفكرية العليا بقدر ما نستطيع استقصائها كانت بمجملها تتجه من السحر إلى الدين إلى العلم.
         ففي السحر اعتمد الإنسان على قدرته الذاتية لمواجهة المصاعب والأخطار، وهكذا فإن العقول الذكية لا تزال تجهد للوصول إلى حل أعمق لخفايا  الكون وهي تتخلى عن النظرية الدينية للطبيعة لعدم كفايتها  وتعود بوجه  ما إلى نقطة ارتكاز السحر القديم معتمدة الوضوح  المباشر مما كان السحر يعتمده ضمنيا لاستكشاف انتظام صارم في وقائع الطبيعة التي إذا تمت مراقبتها بعناية  تمكنها من معرفة مساراتها المستقبلية باطمئنان للعمل بموجبها . وعلينا ألا ننسى أن تعميمات العلم في الأساس، أو بمفهوم عام قوانين الطبيعة هي افتراضات استخدمت لتفسير أوهام فكرية متقلبة نعظمها بأسماء رنانة للعالم والكون.
         إذن فالسحر والعلم ليست سوى نظريات فكرية وكما حل العلم مكان ما سبقه فقد خلي هو ذاته مكانه بفرضية أكثر كمالا يمكن أن تكون طريقة مختلفة في النظر للظواهر .... وقد تكون أحلام السحر في يوم من الأيام حقائق يقظة في العلم.[12]
          إن جواب الإنسان على مشكلة اعتقاده بالسحر هو: لماذا أعاني من المنحة؟ عندما يعاني الإنسان من محنة ما ولا يستطيع  مواجهتها فإنه يستقبل ذلك كنوع من السحر ويقول " إنني سيء الحظ " وفي حالات أخرى لا يستسلم لليأس بل يقضي على عمل الشر وذلك- باستخدام القوى السحرية التي سوف توقف السحر  وربما تقتل الساحر- باستدعاء عراف لاكتشاف  من هو الساحر الذي بإمكانه إبطال مفعول السحر.
        فالسحر نظرية معنوية إذ يرى السحرة أن الأشخاص السيئين يستحقون الكره والحقد والحسد والضغينة.
       وقبل الخوض في تقديم تفاصيل حول الظاهرة السحرية نرى من اللازم في هذا المقام لمقاربة مفهوم الطقس كأحد السمات التي تتجلى من خلالها الظاهرة السحرية.
        4 -  مفهوم الطقس:
          لقد تعددت التعاريف المصاحبة لمفهوم الطقس واختلفت على اعتبار أن هذا المفهوم قد اتخذ أشكالا متعددة وخاصة مع الباحثين الأنتروبولوجيين، وقبل أن نشرع في إبراز هذه الاختلافات لا بأس أن نعرج على بعض ما جاء في بعض المعاجم الغوية نذكر على سبيل المثال لا الحصر:
         فقد جاء في لسان العرب: الطَّقْس حالة الهواءُ باعتبار الصحو والمطر والحر والبرد إلى غير ذلك. ويُطلَق عند النصارى على شعائِر الديانة واحتفالاتها. معرَّب تَكْسيس باليونانيَّة ومعناها نظام وترتيب ج طُقُوس أما الطُّقَيْسَاءُ والطُّقَيْسَة فهي مكان صغير خارج دار الحريم تُستقبل فيهِ الضيوف.
         في حين نجد في معجم المحيط "لفيروز آبادي" أن  الطَّقْسُ هو : النظام والترتيب؛ رتب حوائجه وفق طقس خاصٍّ به. وهو أيضا  المُناخُ والجو وأحواله من ضغطٍ وحرارةٍ وبرودةٍ ورطوبةٍ ورياح؛ كان الطَّقْسُ أمس بارداً، كما نجد ه يعرفه: شَعِيرةُ دينيةٌ لطائفةٍ دينية ج طُقوسٌ.
أما في معجم الوسيط فقد عرف الطقس بأنه: النظام والترتيب. و- (عند النّصارى): نظام الخدمة الدينية أو شعائرها واحتفالاتها. (د). و- حالة الجو أو المناخ. (محدثة). (ج) طقوس.
        وبالإضافة إلى التعاريف التي صادفتنا نجد عبد الغني أبو العزم في معجمه الغني يعرف الطقس بما يلي:  - طَقْسٌ - ج: طُقُوسٌ. 1."تَغَيَّرَ الطَّقْسُ فَجْأَةً" : حَالَةُ الْجَوِّ مِنْ بَرْدٍ وَحَرَارَةٍ وَاعْتِدَالٍ فِي مَكَانٍ وَزَمَانٍ مُعَيَّنَيْنِ. "حَالَةُ الطَّقْسِ"."الطَّقْسُ عِنْدَ الْمَسِيحِيِّينَ" : نِظَامُ العِبَادَاتِ الدِّينِيَّةِ وَأَشْكالِها، شَعاَئِرُهَا وَاحْتِفَالاَتُهَا 2 - طَقْسِيٌّ، - [ط ق س]. : كُلُّ مَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالطَّقْسِ، أَي الشَّعِيرَةُ وَالطَّرِيقَةُ الدِّينِيَّةُ.
       وبعد ملامسة الطقس من الناحية اللغوية سنحاول مقاربة هذا المفهوم من الناحية الأنتروبولوجية والسوسيولوجية على اعتبار أن هذا المفهوم شكلا نقطة هامة داخل الدراسات والأبحاث الميدانية التي اهتمت بالثقافة الشعبية وخصوصا تجليات العادات والتقاليد.   
       في هذا الإطار نجد أن للطقوس  ثلاثة استعمالات مختلفة، الاستعمالان الأولان يؤكدان على الطبيعة الرمزية للطقوس، أما الاستعمال الثالث فيعرف  الطقوس  انطلاقا  من العلاقة بين الواسطة والغاية التي تكمن في السلوك الاجتماعي، وتبعا للمعايير الطقوسية فإننا نشاهد استعمال الطقوس في التصرفات السحرية والدينية وفي العادات والتقاليد السائدة داخل المجتمع.
        ويرى بعض الباحثين على أن الطقوس تحل محل الدين في معظم النظريات وخصوصا في الأنتروبولوجيا طالما أن المقصود بها هو التصرفات الرمزية المتعلقة بالأشياء والكائنات المقدسة للشعوب المسماة "بدائية". لكن ' راد كليف براون ' يمتنع عن استعمال مصطلحي "سحر" و"دين" كما استعملهما  'فريزر" ويمتنع أيضا عن استعمال مصطلحي "مقدس" و"شرير" كما استعملهما 'إميل دوركايم'، واستعمل بدل هذه المصطلحات " القيم الطقوسية" وفرضيته حول الطقوس تنص بأن القاعدة الأساسية للطقوس هي تطبيق القيم الطقوسية على الأشياء والحوادث والمناسبات التي يمكن اعتبارها بمثابة الأهداف ذات المصالح المشتركة التي تربط أعضاء المجتمع الواحد، أو تمثل تمثيلا رمزيا جميع الأشياء التي تستند على تأثر السلوك الرمزي بأنواعه المتعددة.[13]
        بهذا المعنى تعتبر فرضية براون فرضية عامة للرموز لها تأثيراتها  الاجتماعية المهمة بمعنى أنها حدث رمزي يعبر عن قيم اجتماعية.
أما الباحث الأنتروبولوجي ' وليام سميت' فإنه يعتقد بأن الطقوس الدينية هي أشياء تعبر عن آراء يمكن تمريرها من شخص لآخر ومن عصر لآخر دون إحداث أي تغيير فيها. كما يمكن التعبير عن جميع الآراء التي لا تدخل في إطار الخرافة أو العقيدة المتحيزة بالتصرفات الطقوسية.
       ويعتقد "ليج" Leach بأن الطقوس هي نوع من أنواع السلوك الاجتماعي له صفة رمزية تنعكس في الشعائر والممارسات الدينية وأحيانا يعبر عنها في سياق العادات والتقاليد، كما توضح الطقوس حسب أرائه أيضا معالم التركيب الاجتماعي إذ تحدد أنماط العلاقات الاجتماعية المتنافسة بين الأفراد والجماعات[14].
       الطقوس إذن ليست نوعا من أنواع الحدث وإنما وسلة إعلامية تعبر عن أنواع  الأحداث والتصرفات الاجتماعية، وذلك لخاصيتها الإعلامية البارزة.
       وقد قام العالم " كودي" بتحليل الطقوس عن طريق دراسة العلاقة بين واسطة وغاية الفعل الاجتماعي فقال بأن الطقوس هي نوع من أنواع السلوك ذي المقاييس المتوازنة والتي لا تكون العلاقة بين واسطته وغايته جوهرية أي أن العلاقة بين واسطة وغاية  السلوك الطقسي هي علاقة غير منطقية ولا عقلية، والسلوك الطقسي يتمثل بالحدث السحري أو العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية التي يعبر عنها بالرموز السلوكية[15].
       ويرى "لفي ستراوس" أن هناك وظيفة للطقوس وهي وظيفة حل المفارقات المنطقية ومن هنا يذهب " ستراوس" إلى أن الطقس هو تنظيم للعلاقات الاجتماعية، ويلعب الطقس أيضا وظيفة العلم وهكذا يقول " نيتشه " بان الطقس يشبه إلى حد بعيد تقنيات المعلوميات المعاصرة. هذه التقنيات التي تساعد على التخزين وعلى إيصال الموضوعات المجردة، وبذلك تستطيع المجتمعات البدائية في غياب النصوص المكتوبة أن تتواصل من جيل إلى آخر[16].
          إن الطقوس وحدها تستطيع أن تمرر المعارف الضرورية، وبذلك يستطيع " البدائيون" مناقشة أفكار مجردة مثل الخير، الشر، المقدس، المدنس... رغم كون لغتهم لا تملك مفاهيم مجردة.
          إن اللحم النيئ يدل على كل ما هو طبيعي والحم المطبوخ يدل على الثقافة، ورغم ذلك فالطقوس ليست فقط خطابا من أجل حل المتناقضات المنطقية أو نسقا من المعارف أو تقنيات للمعلومات بل هي قبل كل شيء منتوجات اجتماعية يجب فهمها كما تعاش في المجتمع.[17]
    5 - أساس الظاهرة السحرية:
          هناك معطى أساسي هو أن السلوك الديني  باعتباره  سلوك جماعي فهو سلوك قويم في الحياة الجماعية، في حين أن السلوك السحري  هو سلوك شخصي  مؤقت يتم التعاطي له في أوقات معينة ويرتبط  بالمنافع الدنيوية ورغم ذلك فهو يتطلب مشاركة جماعية من أجل توليد المعتقد للموضوع السحري وضمان الهيمنة الرمزية للفعل  السحري في حياة الجماعة.
         وفي هذا الإطار يرى " ليفي ستراوس" على أن هناك ثلاث عناصر  ضرورية لكل عملية سحرية:
 أ – الساحر وممارساته.
ب – إعتقاد الشخص المعني بالطقوس السحرية.
ت – المصداقية التي تمنحها الجماعة لهذه  الطقوس والممارسات
       ويعتبر " مالينوفسكي"  هذه العناصر هي المكونات الاناسية "المركب الشاماني" ويقول "ليفي ستراوس" " هذه العناصر الثلاثة الخاصة بما يمكن تسميته المركب الشاماني مترابطة  ترابطا داخليا متينا، لكننا نرى أنها تنتظم حول قطبين ليتكون أحدهما بواسطة التجربة الداخلية السرية للكاهن أو الساحر ويتكون الثاني بواسطة  إجماع الجماعة"[18]. ويرى " لفي ستراوس أن هذا الإجماع  يلعب دورا أساسيا في تكريس ظواهر السحر داخل الجماعة، ويظهر انقيادها بشكل تلقائي.
       أما فريزر فيرى أن تحليل المبادئ الأساسية التي يرتكز عليها السحر يمكننا أن نجدها في عنصرين أساسيين هما أولا، أن الشبيه ينتج الشبيه وأن المعلول يشبه علته. وثانيا أن الأشياء التي تمس بعضها بعضا تستمر في تواصلها معا لفترة معينة بعد انفصال العلاقة الفيزيقية أو الممارسة بينهما .
       وقد أطلق على المبدأ الأول اسم قانون المشابهة والأخير قانون الممارسة. فبالنسبة للأول وأقصد هنا قانون المشابهة فإن ( الساحر يزعم أنه يستطيع أن ينتج أي معلول أو أثر يريده عن طريق تقليد الموضوع الذي يريد أن يسحر له. بينما يزعم الساحر في المبدأ الثاني أنه يستطيع أن يسحر عن طريق شيء مادي لمس جسم الشخص المقصود وممارسة السحر عليه. ويمكن أن يسمى قانون المشابهة بالسحر المقلد أو المعدي أما قانون التماس أو اللمس فيمكن أن يطلق عليه السحر اللمسي.
        وبنفس هذين المبدأين، يستطيع الساحر أن يتحكم في الجماد أيضا، أي أنه يرى أن هذه القوانين ( المشابهة والتماس) تطبق بوجه عام على كل الأعمال ولا تقتصر على الأعمال الإنسانية وحدها.
وباختصار، فأن السحر عبارة عن نسق غير منطقي من القانون الطبيعي بالاظافة إلى أنه موجه أو مرشد وهمي وخادع للسلوك، إنه علم زائف كما أنه فن فاشل.[19]
 لكن الإشكال الذي يبقى مطروح هنا، هو ما الذي تقدمه أو تمنحه الممارسة السحرية للجماعة؟
          عموما، وكما هو معلوم أن الساحر يقدم بدائل رمزية يعرضها على الجماعة داخل طقوس خاصة، ويدفعها إلى أن تعيش تمثلاتها  وأن تتماهى  مع هذه التمثلات، فهو يحاول بذلك أن يحول خوف الجماعة من موضوع لا مرئي إلى موضوع مرئي  يمكنه تمثله ماديا ومن ثمة إلى اعتقاد اجتماعي.
           أما من الناحية الوظيفية للممارسة السحرية فهي تحرر الجماعة بشكل أو بآخر من من خوفها، وهي تختلف بذلك باختلاف حاجيات الجماعة فجدير بالملاحظة أن الساحر يلبس ويتقمص وظيفته كساحر عبر أدوار يؤديها غير أدواره الطبيعية فهو يظهر داخل الجماعة عبر أدوار متداخلة  كالكاهن، المخلص، الشافي...إلخ، بذلك يعبر عن نفسه كشخص اختارته الآلهة والأرواح ليكون نقطة تواصل مع عالم البشر.
          من هنا فالجماعة تتعامل معه كمعطى حقيقي غير قابل للتساؤل وأن أدواره يتميز بها عن غيره، فالمريض مثلا يذهب إلى الساحر القادر على إبطال سحره[20] ، أي أنه قادر على تخليصه من المرض ونفس الشيء  بالنسبة للجماعة على اعتبار أن له تقنية المعرفة الغيبية، وأسرار الأشياء وذلك لجلب المنافع ودفع الضرر أو العكس. وهذا ما يمنحه القوة الاجتماعية .
          وقد اعتبر "مارسل موس" أن الساحر عادة ما يبقى في بشريته إذ أنه في أغلب الأحيان يقوم بشعوذة أولية و سلوكات " البخور، ترديد بعض الأصوات..."



       6  - الواقع الاجتماعي للساحر:
            إن وضعية الساحر داخل المجتمعات البدائية هي وضعية تستدعي منا التوقف عندها وذلك لفهم أوالياتها من خلال استحضارنا في هذه المداخلة لبعض النماذج البدائية التي أعطت للساحر دورا رياديا داخل مجتمعه.
           فالساحر إذن داخل مجتمعه يتمتع بجملة من المميزات جعلت منه شخصية مرموقة ذات حظوة ومكانة رفيعة داخل دهاليز القبيلة. وهذا لم يكن وليد الصدفة فالساحر – حسب هذه القبائل قادر على تحقيق ما تعجز عنه الطبيعة، بل بمقدوره السيطرة عليها والتحكم فيها، إضافة إلى استجلابه للخير العميم للقبيلة التي ينتمي إليها. لذلك نجد القبائل البدائية تمجد هذا الساحر و تعظمه تمتثل لأحكامه قراراته بغية الوصول إلى السعادة المنشودة.
          أما داخل المجتمع المغربي، فالساحر يولي عناية كبيرة لإظهار تمسكه بالدين، فهو حافظ للقران الكريم في أغلب الأحيان مما يجعله في منأى عن أي شك في كثير من الأحيان كما يلاحظ ذلك عالم الاجتماع بول باسكول.
ودام السحر يحتل المرتبة الثانية كمصدر للعلاج داخل المجتمع المغربي – حسب جريدة المساء المغربية في عدد لها سنة 2007 – فإن الساحر مصدر ثقة من طرف شريحة مهمة من المجتمع، كما يحضى كذلك بمزيج من مشاعر الخوف والتقدير في نفوس الناس، فهو يمتلك في نظرهم القدرة على التأثير في مصير حياتهم بالسلب والإيجاب حسب مشيئته .
أليس الساحر الذي يكتب أو على الأصح يرسم الطلاسم هو في بعض الحالات هو "الفقيه" أي "رجل الدين" فحسب بول باسكول يعتبر أن بعض  فقهاء البوادي يمارسون أعمال السحر كنوع من رد الفعل على ظلم اجتماعي لحقهم، إنهم في الغالب أبناء عائلات مجردة من حقوقها



    خلاصة:
             بعد هذا المسار الموجز الذي تطرقنا فيه إلى مجموعة من الإشكالات والمقاربات المرتبطة بالسحر نخلص إلى أنه وبالرغم من التطورات العلمية التي شهدتها البشرية في بحوثها وقوانينها الخاصة، وكذا حضاراتها لترقى بالعقل الإنساني واطلاعها على خبايا الطبيعة وتحولاتها فإن العديد من الناس لا يزالون يركضون خلف التخلف المتمثل في الإيمان بالبدع والخرافات من أجل تحقيق مآرب وطموحات كان بإمكانهم تحقيقها لو أنهم امنوا بقدراتهم ومهاراتهم.  



[1] - لسان العرب لابن منظور.
[2] - المغني والسحر الكبير م :10 ، ص104.
[3] - مقدمة ابن خلدون م :2 ، ص 193.
[4] - مصطفى واعراب: المعتقدات والطقوس السحرية في المغرب، دار الحرف والنشر، التوزيع القنيطرة، ط.1 ، 2007 .
[5] - نفسه
[6] - نفسه.
[7] -  بن حمودة محمد: الأنتروبولوجيا البنيوية أو حق الاختلاف، ص. 94.
[8]-Levy Bruhl: la Mentalité Primitives 1922 ) p 17 .78). (أورده محمد بن حمودة في كتابه السابق الذكر (ص. 95
[9] -   Malinovski: Trois Essais sur la vie Sociale des Primaires ( P 63). (أورده بن حمودة في كتابه السابق (ص. 95
[10] - حسن قبيسي: مقالة في الاناسة، (ص.17) .
[11] -  الحوراني يوسف : في الفكر الأسطوري البابلي، الفكر العربي، عدد 73 ، ( ص.9).
[12] - كلاكمان ماكس: السحر ومنطق العلم الإفريقي، ترجمة محمد عطوي، الفكر العربي عدد 14 (ص 381 ).
[13]  - معجم علم الاجتماع : إحسان محمد حسن.
[14] - نفسه.
[15] - نفسه.                                                                                                                                       
[16] - قضايا أنتروبولوجية سلسلة محاضرات للأستاذ بن محمد القسطاني جامعة مولاي إسماعيل مكناس.
[17] - نفسه.
[18] - سامية محمد جابر: علم الإنسان مدخل إلى الانتروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، دار العلوم العربية، بيروت- لبنان.
[19] - نفس المرجع السابق.
[20] - حجازي مصطفى سيكولوجية الإنسان المقهور، معهد الإنماء العربي، الطبعة 5 ، 1989، ص. 158- 161.

بقلم المحترف محمد احتيت htyte mohammed

  • انا مواطن مغربي وادرس العلم الشرعي بالجامعة وهدفي من هذا الموقع هو جمع اهم الدروس و الكتب للمساعدة طالب العلم الشرعي بان يصبح من العلماء الربانيين كما ان هدفي من هذا الموقع هو الحصول على مرضات الله عن ابن عباس رضي الله عنهما: " يرفع العالم فوق المؤمن سبعمائة درجة، بين كل درجة كما بين السماء والأرض " " ،

    والله المستعان

    كن الأول دائما علق على " السحر بين النظرية والتطبيق "

    صفحتنا على الفيسبوك

    التعليقات

    أقسام الموقع